وفيه ما لا يخفى .
ورابعها : أنّ ابتداءه بالأعلى في وقت لا يستلزم ابتداءه به مطلقا في جميع الأوقات .
واستبعاده بعدم صدور المكروه عنه صلّى اللّه عليه وآله ليس في محلّه ؛ إذ ربما يصدر عنه هذا لبيان الجواز ، بل المكروه حينئذ ليس بمكروه في حقّه صلّى اللّه عليه وآله ؛ لغلبة جهة رجحان البيان المذكور على جهة مرجوحيّة الفعل من حيث هو . على أنّ مرجوحيّته كذلك أيضا ممنوعة ، حيث لا دليل عليها ، غاية الأمر أنّ الابتداء بالأعلى مستحبّ ، وترك المستحبّ ليس بمكروه .
وفيه نظر ؛ إذ بعد تسليم أنّه صلّى اللّه عليه وآله ابتدأ بالأعلى في مقام البيان لا مجال لإنكار تعيّنه ؛ لثبوت ذلك قطعا ، وإنّما الشكّ في صدور غيره عنه صلّى اللّه عليه وآله ، ومقتضى الأصل عدمه .
والحاصل : أنّ الأمر دائر بين الوجوب التعييني والتخييري ، والثاني خلاف الأصل ؛ لأصالة عدم بدليّة الغير ووجوبه ولو في الجملة .
والقول بأنّ قضيّة الأصل هنا البراءة ؛ إذ التعيّن تكليف زائد ، ممنوع بأنّ التكليف بالوضوء ثابت ، وإنّما الشكّ في أنّ المكلّف به هل هو الوضوء المعتبر فيه الابتداء بالأسفل أيضا ، أم الوضوء مطلقا ؟ فمقتضى أصالة الاشتغال الابتداء بالأعلى .
لا يقال : إنّ الثابت مطلق غسل الوجه ، وهو مطلق ، فتحصل البراءة بمطلقه حيث لم يثبت الاشتغال بالمقيّد ، فإنّ الكلام في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « هذا وضوء لا يقبل » إلى آخره ، بمعنى أنّا نعلم أنّه صلّى اللّه عليه وآله توضّأ وضوءا لا تقبل الصلاة إلّا بمثله ، وهو دائر بين الأمرين ، ولكن حصول البراءة بالابتداء بالأعلى قطعيّ ، بخلاف الابتداء بالأسفل ، فليتأمّل .
وخامسها : أنّ قوله : « هذا » إشارة إلى الغسلات والمسحات التي فعلها مرّة ، كما يدلّ عليه سياق الرواية .
والحاصل : أنّ الغرض بيان العدد لا غيره من الكيفيّات ، فليتأمّل .
وسادسها : أنّه ليس المراد بقوله : « إلّا به » تعيّن الوضوء الذي فعله خاصّة ، وإلّا للزم عدم قبول صلاة غيره ، بل صلاة فعلها بغير هذا الوضوء ، بل المراد : إلّا بمثله ، وحينئذ فيكفي في المماثلة المماثلة في الأمور الغير العاديّة ، وغسل الوجه من الأعلى من الأمور العاديّة - ككيفيّة الحركات الواقعة فيه - فلا تجب المماثلة فيه .
منتقد المنافع في شرح المختصر النافع — صفحة 110
مساهمون: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
ص١١٠