والحاصل : أنّه لم يدلّ دليل على عدم وجوب الابتداء بالأعلى ، فيجب ؛ لمكان فعله صلّى اللّه عليه وآله المبيّن ، على أنّ الظاهر من حكاية المعصوم عليه السّلام أنّ الوضوء الذي أمر به رسول الله صلّى اللّه عليه وآله أمرنا به هكذا .
واعترض على هذا الاستدلال بوجوه :
الأوّل : أنّه يحتمل أن يكون مراد الإمام عليه السّلام من الحكاية حكاية وضوئه الذي كان يفعله غالب الأوقات ، لا وضوءه الذي فعله بيانا .
وفيه : أنّ الظاهر من الحكاية أنّ وضوء الإمام عليه السّلام كان مطابقا لوضوء رسول الله صلّى اللّه عليه وآله مطلقا في جميع الأوقات ، لا الغالب خاصّة ، فيشمل الوضوء البياني أيضا ، واختصاص البياني بالبدأة من الأسفل في غاية البعد ، كما لا يخفى . على أنّه لو كان كذلك لوجب على الإمام عليه السّلام بيان ذلك أيضا بقوله ، وكان عليه السّلام ربما يبدأ بالأسفل ، فتدبّر .
والثاني : أنّ ابتداء الإمام عليه السّلام بغسل الأعلى لا دلالة فيه على ابتداء الرسول صلّى اللّه عليه وآله أيضا به ؛ لاحتمال أن يكون هذا من قبيل طلب القدح وكيفيّة حركة اليد ، فهو أحد جزئيّات الغسل الذي لا بدّ منه فيه .
والحاصل : أنّ الحكاية لا تستلزم المطابقة من جميع الوجوه حتّى في اللوازم الخارجيّة المختلفة باختلاف الأشخاص والأوقات والحالات ، بل المعتبر فيها مطابقة المحكيّ من حيث هو ، ولم يثبت كون الابتداء من الأعلى من شروط الوضوء الذي صنعه الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، بل يحتمل كونه من اللوازم الخارجيّة بالنسبة إلى الإمام عليه السّلام بحسب اقتضاء حاله لذلك ، أو شيوعه بالنسبة إلى مطلق غسل الوجه .
وفيه ما ترى ؛ لما عرفت من ظهور الحكاية المذكورة في كون الابتداء من الأعلى من صنع رسول الله صلّى اللّه عليه وآله .
والثالث : أنّ الفعل البياني إنّما يجب اتّباعه إذا لم يكن من الأفعال العاديّة الجليّة كما ثبت في الأصول ، وغسل الوجه من الأعلى من هذا القبيل ؛ لمكان سهولته وشيوعه .
والحاصل : أنّ الغسل من الأعلى من الأفعال العاديّة مثل سفره صلّى اللّه عليه وآله إلى مكّة من مواضع خاصّة ، وجلوسه بهيئة خاصّة ، وهكذا ، فلا تجب متابعته .
منتقد المنافع في شرح المختصر النافع — صفحة 106
مساهمون: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
ص١٠٦