ثم إن تمثيل القوم للإضافة بكون المولى مولى للعبد ، وكون العبد عبدا للمولى ، والأبوة والفوقية والمساواة والمقابلة والقهر والغلبة ونظائرها متكرر لا حاجة - إلى نقله ، ولنكتف بهذا المقدار في المضمار ، والظاهر أنه يكتفى به المورد اعتذارا لذكر احتمال كون الملك من الأمور الواقعية بين الاحتمالات ، وفي عداد الأوجه ، ان لم يكتف به في ترجيح هذا الوجه وللقول به .
ثم أقول ويرد عليه خامسا : ان ما أورده على القول بكون الملك المبحوث عنه في الفقه من الجدة من تخلفه عنها ، مما لا أرى له مساغا ، ولا لصدوره عن مثله اعتذارا ، الا الاقناع بالمشتهرات ، أو قصر النظر على بعض المتون والمختصرات .
ولا بدّ من تنقيح المقام ، وتحقيق المرام ، ورفع غشاوة الابهام ، عما زلت فيه اقدام ، وطغت فيه أقلام ، واشتهر في هذه الاعصار والأعوام .
فنقول : توضيح الايراد ان الجدة عند الحكيم هو الهيئة الحاصلة من إحاطة الشيء بشيء ينتقل المحيط بانتقال المحاط ولذا قيل نظما :
هيئة ما يحيط بالشيء جدة * بنقله لنقله مقيدة
والملك عند الفقيه قد لا يكون فيه إحاطة ولا انتقال بانتقال أصلا كملك الأراضي ، أو ان الإحاطة والانتقال حاصلة لغير المالك والملك انما هو لمالكه الغير المتصف بالإحاطة ، كما إذا تعمم أو تقمص بمال الغير ، فبين الملك عند الفقيه والملك بمعنى الجدة عند الحكيم عموم من وجه ، فتفسير أحدهما بالآخر غلط وما هو الا كتفسير الأبيض بالراكب ، أو الضاحك بالعادل .
وتوضيح الدفع والتزييف حسب ما سنح لهذا العبد الضعيف : ان الّذي يظهر بالتأمل والتروي في الكلمات ان الجدة عند المتقدمين من الحكماء الذين عدوها من المقولات لا يعتبر فيها الا ان يكون بحيث يصح ان ينسب إليها