وجه الفساد : أنّ الأصل الّذي يرجع إليه فعلًا ليس هو أصالة الفساد ، لحكومة أصالة الصحّة عليها قطعاً كما لا يخفى . ومنه يظهر أيضاً فساد ما ذكره جمع من صور تعارض الأصول ، فإنّ أكثرها إن لم يكن كلّها من قبيل الحاكم والمحكوم ، فراجع إليها .
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا في معنى موافقة الأصل من أنّه عبارة عن موافقة القاعدة المعتبرة فعلًا في مورد الترافع ، قد يختلف بالنسبة إلى شخص واحد في كيفيّة التكلّم ، فلو قال المدّعَى عليه بمائة دينار مثلًا : ( إنّي لست مشغول الذمّة وليس عليّ شيء ) ، فهو منكر ، لموافقة قوله أصالة البراءة .
ولو قال : ( إنّي قد أدّيتها ) يصير مدّعياً ، لأنّه بإقراره الضمني قد أحدث موضوعاً للأصل الموافق لقول المطالب ، وهو أصالة البقاء . وكذلك الودعي يكون منكراً ومدّعياً لو قال بعد مطالبة الوديعة : ( إنّه ليس عليّ شيء ) ، أو : ( تلف ما أودع إليّ ) .
وكذلك بالنسبة إلى ذي اليد ، فإنّه لو لم يقرّ بأنّ ما في اليد كان للمدّعي ، يكون منكراً ، ولو أقرّ له ثمّ ادّعى ملكيّته له وادّعى المقرّ له أنّه ملكه يصير مدّعياً ، لأنّه بإقراره قد ارتفع اعتبار يده في مقابل دعوى المقرّ له فالأصل الّذي يرجع إليه فعلًا هو أصالة البقاء الموافقة لقول المقرّ له ، فتأمّل . فيشمل تعريف المدّعي بالمعنى المذكور من يريد إثبات الحقّ على الغير أو الخروج عن الحقّ الّذي عليه للغير .
ثانيها : ما ذكره أيضاً بعض « 1 » من أنّ المدّعي مَن يخالف قوله الظاهر ، والمنكر من يوافق قوله الظاهر .
وإليه يرجع تعبيرهم عن المدّعي بأنّه من يدّعي أمراً خفيّاً ، والمنكر في مقابله . والمراد بالظاهر الّذي اعتبر موافقته ومخالفته ، كما هو قضيّة صريح كلماتهم حسبما يظهر من الأمثلة التي ذكرها أرباب هذا القول ، أعمّ من أن
هامش
( 1 ) راجع إيضاح الفوائد : 4 / 323 ؛ المهذب البارع : 4 / 482 ؛ مسالك الأفهام : 14 / 59 ؛ كفاية الأحكام : 274 .