وبالعكس ، فيكون أحدهما بدلًا عن الآخر ، حيث قال ما هذا لفظه : « وإنّما اعتبر المصنف التكفيل لأنّه لم يوجب عليه اليمين مع البيّنة ، فجَعَل الكفيل عوضاً عنها ، لاحتمال براءة الغائب عن الحقّ على وجه لا يعلمه البيّنة . ومن أوجب عليه اليمين لم يَعتبر التكفيل إلّا على تقدير تعذّرها ، كما لو كان المدّعي على الغائب وكيل المستحقّ ، فإنّه لا يجوز إحلافه فيستظهر بالكفيل . ولا شكّ في أنّ الكفالة واليمين احتياط واستظهار ، إلّا أنّ ثبوتهما يحتاج إلى دليل » « 1 » انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه .
وأنت خبير بما فيه ، أمّا أوّلًا : فلأنّ قوله : « ومَن أوجب عليه اليمين لم يَعتبر التكفيل » مخالفٌ لِما نُشاهد من جماعة من الأصحاب من إيجابهم اليمين مع التزامهم باعتبار الكفيل ، منهم العلّامة في القواعد « 2 » على ما حكي عنه .
وأمّا ثانياً : فلأنّ قوله : « ولا شكّ » الخ ، لا دليل عليه أصلًا ، إذ من المحتمل بل الظاهر أن يكون اعتبار الكفيل من جهة خوف تعذّر استيفاء الحقّ بموت المدّعي أو فقره ، على ما ترشد إليه الرواية الثانية « 3 » من قوله : « إلّا إذا كان مليّاً » .
وأمّا ثالثاً : فلأنّه لا معنى لقوله : « إلّا أنّ ثبوتهما » الخ ، إذ الظاهر منه التوقّف في الثبوت بل المنع منه ، وقد عرفت قيام الدليل على ثبوت كلّ منهما ، فراجع . فالمسألة ممّا لا إشكال فيها بحمد اللَّه . إلّا أنّ هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما : أحدهما : أنّ الظاهر من الروايتين في بادي النظر كما ترى وإن كان اعتبار تعدّد الكفيل ، إلّا أنّ مقتضى التأمّل فيهما كفاية الواحد ، لظهور كون المراد من الجمع هنا هو الجنس ،
هامش
( 1 ) مسالك الأفهام : 13 / 464 .
( 2 ) راجع قواعد الأحكام : 3 / 441 .
( 3 ) وهو خبر محمد بن مسلم الذي ذكر سابقاً .