فإنْ قلت : إنّا نسلّم دلالة الرواية على حصر البيّنة على المدّعي حسبما ذكرته ، إلّا أنّا نقول إنّ المحصور ليس أصل تشريع البينة بل إلزامها وطلبها بمعنى أنّه لا يلزم بالبيّنة إلّا المدّعي ، لا أنّه لا يسمع البينة إلّا من المدّعي . فحديث الدّلالة على الحصر أجنبي عمّا نحن فيه ، وإنّما المهمّ تعيين المحصور حتّى ينفعك .
قلت : إنّ من المعلوم لكلّ أحد أنّ إلزام المدّعي بالبيّنة والمنكر باليمين ليس إلزاماً نفسيّاً مستقلّاً ولا غيريّاً مقدّميّاً بالمعنى المعروف ، بل هو إلزام شرطيّ وإرشاديّ بمعنى أنّه لو أراد المدّعي إثبات ما يدّعيه فطريق إثباته هذا لا غير . وإن أراد المنكر إثبات ما يدّعيه فطريق إثباته اليمين لا غير ، فيطلب منه اليمين من جهة كونها مثبتاً لِما يدّعيه ، فلو كانت البيّنة أيضاً مثبتة له لكان إلزامه بخصوص اليمين غير جائز بل لا بدّ حينئذٍ من إلزامه بإحداهما تخييراً كما لا يخفى . فتدلّ الرواية على أنّ أصل سماعها مختصّ بالمدّعي .
فظهر ممّا ذكرنا فساد ما ذكره بعض المحقّقين من أنّ التفصيل قاطع للشركة من حيث اللزوم لا من حيث الجواز .
هذا مجمل القول بالنسبة إلى قوله صلى الله عليه وآله : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » « 1 » . وكذلك الكلام بالنسبة إلى سائر ما ورد في هذا الباب ، فإنّه أيضاً ظاهر فيما ذكرنا كما لا يخفى لِمَن راجع إليه بل بعضه صريح فيما ذكرنا ؛ مثل خبر منصور عن الصادق عليه السلام : « قلت له : رجل في يده شاةٌ فجاء رجل فادّعاها وأقام البيّنة العدول أنّها وُلدت عنده لم يبع ولم يهب . وجاء الّذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنّها وُلدت عنده لم يبع ولم يهب . قال أبو عبد اللّه عليه السلام : حقّها للمدّعي ولا أقبل من الّذي هي في يده بيّنة ؛ لأنّ اللَّه عزّ وجلّ أمرَ أنْ يطلب البينة من المدّعي ، فإنْ كانت له بيّنة ، وإلّا
هامش
( 1 ) عوالي اللآلي : 2 / 258 ؛ مستدرك الوسائل : 17 / 368 .