التقدير الثاني ، أنّ طبيعة البيّنة منحصرة في حقّ المدّعي ومعلوم دلالته على عدم سماع البيّنة من المنكر ، كما أنّ قوله : « واليمين على من أنكر » ، أيضاً يدلّ على عدم الاكتفاء من غير المنكر باليمين ، هذا .
ولكن يُمكن المناقشة في دلالة لفظ « البيّنة » على الحصر بناءً على كون اللام للجنس ، فإنّ الظاهر من كثير ممّن ذكر أنّ المسند إليه إذا كان معرّفاً باللام يُفيد الحصر ، هو ما إذا كان المسند إليه وصفاً ، كما في قولك : ( الأمير زيد ) أو ( الشجاع عمرو ) أو ( الكرم في العرب ) أو ( المنطلق زيد ) إلى غير ذلك . وهو الّذي يساعد عليه العرف أيضاً .
وأمّا القول بدلالته على الحصر مطلقاً فلم يظهر منهم ، ولا يساعد عليه العرف أيضاً كما يعلم من الرجوع إلى موارد الاستعمالات ، وإن كان يظهر من بعض إطلاق القول بدلالته على الحصر الشامل للمقام ، إلّا أنّه خلاف مقتضى التحقيق ، لكن يُمكن أنْ يُقال مع ذلك بإفادته العموم من جهة الحكمة ، كما في قوله تعالى :
« أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
« 1 » وهذا وإن لم يكن عموماً لفظيّاً إلّا أنّه يكفي فيما نحن بصدده .
ثانيها : تعريف المدّعي والمنكر باللام ، فإنّه يدلّ من جهة أحد الوجهين المذكورين في الوجه السابق بانحصار البيّنة للمدّعي واليمين للمنكر ، فيصير الحاصل أنّ كلّ مدّعٍ عليه البينة وكلّ منكر عليه اليمين ، فلو كان هناك منكر عليه البيّنة أيضاً لكذبت هذه القضية كما لا يخفى . فلا بدّ أنْ لا يكون هناك منكر يسمع منه البيّنة وهذا هو الّذي مطلوبنا من دلالة الرواية على الاختصاص .
ثالثها : تفصيله صلى الله عليه وآله بين المدّعي والمنكر بإثبات البيّنة عليه واليمين على المنكر ؛ فإنّه يدلّ على عدم سماع البيّنة من المنكر لِما تقرّر في الأُصول مِن أنّ التفصيل قاطع للشركة .
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 275 .