شرح
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ« 1 » فالرفث الجماع ، والفسوق الكذب والسباب ، والجدال قول الرجل : لا واللّه وبلى واللّه » « 2 » . مؤيّدا بما في الخبر من أنّ « سباب المسلم فسوق » « 3 » . بل لعلّ إليه يرجع ما في صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام من أنّه « الكذب والمفاخرة » « 4 » ، بناء على أنّ المفاخرة لا تنفك عن السباب ؛ لأنّها إنّما تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن خصمه وسلب رذائل عن نفسه وإثباتها لخصمه ، وهو معنى السباب .
وعن الجمل والعقود : « أنّه الكذب على اللّه » « 5 » ، وعن الغنية والمهذب والإصباح والإشارة : « أنّه الكذب على اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه واله وسلم أو أحد الأئمّة عليهم السّلام » « 6 » . بل في الأوّل : منها أنّه عندنا كذلك « 7 » . وهو مع كونه منافيا لما سمعته من النصوص « 8 » لم نعثر لهم على دليل سوى إشعار الإجماع المزبور المتحقّق خلافه . وكونه المبطل للصوم لا يقتضي كونه المراد من الفسوق .
وكذا ما عن التبيان من أنّ الأولى حمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها « 9 » ، وعن الراوندي في فقه القرآن متابعته « 10 » ؛ إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النصوص المعتبرة والفتاوى . بل عن الشيخ : أنّه غلط من خصّه بما يحرم على المحرم لإحرامه ويحلّ له لو لم يكن محرما بأنّه تخصيص بلا دليل « 11 » .
وما أدري ما السبب الداعي إلى الإعراض عن النصوص التي يمكن الجمع بينها بأنّه عبارة عن جميع ما ذكر فيها من الكذب والسباب والمفاخرة على الوجه المحرّم ، بناء على أنّها غير السباب الّذي هو وإن جعل في رواية الصافي « 12 » من الجدال ، إلّا أنّه يمكن وقوعه على وجوه : منها : أن يجتمع فيه الجدالية ، فلا مانع من أن يكون فسقا وجدالا ، بل وكذا المفاخرة التي جعلت من التفث في صحيح معاوية « 13 » المفسّر فيه الفسوق بالكذب والسباب ، فإنّه بعد ذلك بفاصلة قال : واتّق المفاخرة إلى آخر ما تسمعه إن شاء اللّه ؛ إذ هي أيضا تارة تكون فسوقا إذا كانت على وجه السب وأخرى لا تكون كذلك . واحتمال تفسير الفسوق بها [ - المفاخرة ] خاصّة - مع أنّه لا قائل به وإن قيل : إنّه حكاه الشهيد في بعض حواشيه « 14 » لا شاهد له ، فإنّ الصحيح المزبور لم يشتمل على تفسير الفسوق بها . ومن الغريب ما في المدارك « من أنّ الجمع بين الصحيحتين يقتضي المصير إلى أنّ الفسوق هو الكذب خاصة ؛ لاقتضاء الأولى نفي المفاخرة والثانية نفي السباب » « 15 » ؛ ضرورة عدم كون ذلك جمعا ؛ إذ هو طرح لكلّ منهما ، والجمع ما ذكرناه من تحكيم منطوق كلّ منهما على مفهوم الأخرى .
هامش
( 1 ) البقرة : 197 .
( 2 ) الوسائل 12 : 463 ، ب 32 من تروك الإحرام ، ح 1 .
( 3 ) الوسائل 12 : 297 ، ب 158 من أحكام العشرة ، ح 3 ، سنن ابن ماجة 1 : 27 ، ح 79 .
( 4 ) الوسائل 12 : 465 ، ب 32 من تروك الإحرام ، ح 4 .
( 5 ) الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 228 .
( 6 ) الغنية : 160 . المهذّب 1 : 221 . إصباح الشيعة : 153 . الإشارة : 128 .
( 7 ) الغنية : 160 .
( 8 ) انظر الوسائل 12 : 463 ، ب 32 من تروك الإحرام .
( 9 و 11 ) التبيان 2 : 164 .
( 10 ) فقه القرآن 1 : 283 .
( 12 ) لم يجعل السباب من الجدال ، وإنما ذلك في رواية معاني الأخبار المتقدمة في الصفحة المتقدمة .
( 13 ) يأتي في الصفحة الآتية .
( 14 ) الذخيرة : 593 .
( 15 ) المدارك 7 : 341 .