تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
شرح
ومات الأب ، فقال : « الحجّة على الأب يؤديها عنه بعض ولده ، قلت : هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه ، فقال : هي واجبة على الأب من ثلثه ، أو يتطوّع ابنه فيحج عن أبيه » « 1 » . فإنّ إحجاج الغير ليس إلّا بذل المال لحجّه ، فهو دين مالي محض بلا شبهة ، فإذا لم يجب إلّا من الثلث فحجّ نفسه أولى . قلت : قد يقال بعد الاتفاق ظاهرا على القضاء عنه أنّ الخطاب بالحج من الخطابات الدينية على معنى ثبوته في الذمة على نحو ثبوت الدين فيها ، لا أنّه مثل خطاب السيد لعبده يراد منه شغل الذمة بايجاده في الخارج وإن لم يثبت في الذمة ثبوت دين . ومن هنا وجب في حجّ الإسلام إخراج قيمة العمل من أصل التركة ، وبهذا المعنى كان واجبا ماليا لا من حيث احتياجه إلى المقدمات المالية التي لم تخرج من أصل التركة مالم يوص بها على الأصح ، بل لعلّ خطاب النذر الذي هو نحو الخطاب بالإجارة أولى من الخطاب الأصلي بذلك . على أنّ متعلّق النذر الحجّ على حسب مشروعيته ، وقد عرفت أنّها على الوجه المزبور ، بل قوله عليه السّلام : « إنّما هو مثل دين عليه » رمز إلى ما ذكرنا ، بل إيجاب المال في نذر الاحجاج في الصحيحين السابقين من ذلك أيضا . وكذا الصحيح عن مسمع بن عبد الملك قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : كانت لي جاريه حبلى فنذرت للّه تعالى إن هي ولدت غلاما أن أحجّه أو أحج عنه ، فقال : « إنّ رجلا نذر للّه في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحجّ عنه فمات الأب وأدرك الغلام بعد فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم أن يحجّ عنه مما ترك أبوه » « 2 » . وبذلك اتّجه ما سمعته من الأصحاب من وجوب أصل القضاء وكونه من أصل المال ؛ لأنّه واجب ديني بالمعنى الّذي عرفت ، ومن هنا حمل في محكي المختلف الصحيحين السابقين على النذر في مرض الموت « 3 » ؛ لمخالفتهما للضوابط ؛ ضرورة عدم الوجه لخروجه من الثلث بعد كونه واجبا ماليا ، بل ومع فرض كونه واجبا بدنيا إنّما يجب من الثلث مع الوصية به لا بمجرد النذر . ودعوى سقوط وجوب النذر بالموت مما اتفق النص والفتوى على بطلانها . وعن منتقى الجمان حملهما على الندب المؤكد الّذي قد يطلق عليه لفظ الوجوب « 4 » . ولعلّه لعدم ظهورهما في الموت بعد التمكّن من النذر الّذي هو مفروض المسألة ، بل لعلّ الأوّل منهما ظاهر في خلافه ، فلا بأس بحملهما حينئذ على ضرب من الندب بعد ما عرفت من التحقيق الّذي لا محيص عنه . ومنه يعلم ما في الحدائق من الاطناب المشتمل على كمال الاضطراب « 5 » . ولا ينافي ذلك اعتبار تعذر المباشرة في جواز الاستنابة بعد دلالة الدليل عليه ، كما لا ينافيه عموم ما دلّ « 6 » على منع التصرف فيما عدا الثلث من مال الميت بعد ما عرفت من كونه من قسم الدين وشبهه . ولا إطلاق ما دلّ على الإخراج من الثلث فيما عدا حجّة الإسلام ، كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : سألته عن رجل مات وأوصى أن يحجّ عنه ؟ قال : « إن كان صرورة حجّ عنه من وسط المال ، وإن كان غير صرورة فمن الثلث » « 7 » . وحسنه عنه عليه السّلام أيضا : في رجل توفى وأوصى أن يحجّ عنه ، قال : « إن كان صرورة فمن جميع المال ، إنّه بمنزلة الدين الواجب ، وإن كان قد حجّ فمن ثلثه » « 8 » بعد انصراف غير المفروض منه ، كاختصاص حجّة الإسلام بالقضاء من صلب المال في قول الصادق عليه السّلام في الصحيح : « يقضى عن الرجل حجّة الإسلام من جميع ماله » « 9 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 75 ، ح 3 . ( 2 ) الوسائل 23 : 316 ، ب 16 من النذر والعهد ، ح 1 . ( 3 و 5 ) المختلف 4 : 371 . الحدائق 14 : 213 . ( 4 ) منتقى الجمان 3 : 74 - 75 . ( 6 ) انظر الوسائل 19 : 271 ، 275 ، ب 10 ، 11 من الوصايا . ( 7 و 8 ) الوسائل 11 : 67 ، ب 25 من وجوب الحج ، ح 6 ، ح 4 . ( 9 ) المصدر السابق : ح 3 .