أمّا المشي لا لذلك بل ليكون أقل لنفقته فلا ريب في أنّ الركوب أفضل منه مع يساره [ 1 ] .
كما أنّه قد يقترن الركوب بما يترجح به على المشي كالقوّة على العبادة والعجلة إليها ، أو دفع النقص عنه بتخيّل الشح والقلة من الأعداء والحساد ونحو ذلك [ 2 ] . [ وإلى القوة على العبادة أشار المصنف بقوله : ] ( إذا لم يضعفه ) أي المشي ( ومع الضعف الركوب أفضل ) نحو ما سمعته في صوم عرفة [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] لقول أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر أبي بصير : وقد سئل عن المشي أفضل أو الركوب : « إن كان الرجل موسرا فيمشي ليكون أقل لنفقته فالركوب أفضل » « 1 » .
ولعلّه دفعا للشح ، وصرفا للمال في طريق الحجّ ، وعدم الثواب في المشي في الفرض أصلا .
[ 2 ] كما أومأ إليه خبر هشام بن سالم قال : دخلنا على أبي عبد اللّه عليه السّلام أنا وعنبسة بن مصعب وبضعة عشر رجلا من أصحابنا فقلت : جعلني اللّه فداك أيّما أفضل المشي أو الركوب ؟ فقال : « ما عبد اللّه بشيء أفضل من المشي ، فقلنا أيّما أفضل يركب إلى مكة فيعجل فيقيم بها إلى أن يقدم الماشي أو يمشي ؟ فقال : الركوب أفضل » « 2 » .
وخبر عبد اللّه بن بكير : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّا نريد الخروج إلى مكة مشاة ، فقال : « لا تمشوا واركبوا ، فقلت : أصلحك اللّه بلغنا أنّ الحسن بن علي عليه السّلام حجّ عشرين حجّة ماشيا ، فقال : إنّ الحسن بن علي عليهما السّلام كان يمشي وتساق معه محامله ورجاله » « 3 » .
وخبر سيف التمار : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّا كنا نحج مشاة فبلغنا عنك شيء فما ترى ؟ فقال : « إنّ الناس يحجون مشاة ويركبون ، قلت : فليس عن هذا أسألك ، فقال : فعن أي شيء سألت ؟ قلت : أيّهما أحب إليك أن نصنع ؟ قال : تركبون أحب إليّ ، فإنّ ذلك أقوى لكم في الدعاء والعبادة » « 4 » .
وإلى هذا الأخير أومأ المصنّف بقوله : [ إذا لم يضعفه . . . ] .
[ 3 ] ولا يتوهّم من ذلك أفضلية الركوب من حيث كونه ركوبا ، وذلك حكمة له ، بل المراد ضم مرجّح له . بل لعلّ ما ورد في جملة من النصوص « 5 » من أفضليته على المشي معللة له بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم قد ركب محمول على ذلك ، بمعنى أنّ من ركب ملاحظا للتأسّي برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم قد يترجّح ركوبه على مشيه ، وبذلك يتضح لك عدم التعارض بين النصوص ، وأنّه لا حاجة إلى ما أطنبوا به من تعدد صور الجمع ، حتى ذهب إلى كل بعض ؛ ضرورة معلومية رجحان المشي من حيث كونه مشيا ، بل لعلّه ضروري ، وأنّ المراد بما دلّ على رجحان الركوب عليه من النصوص ، إنّما هو من حيث اقتران بعض المرجحات به ، فهو من باب دوران المستحبات وترجيح بعضها على بعض ، لا أنّ الركوب من حيث كونه ركوبا أفضل من المشي من حيث كونه مشيا ، فإنّ ذلك مقطوع بفساده ، بل لا ينبغي للفقيه احتماله .
هامش
( 1 ) الوسائل 11 : 85 ، ب 33 من وجوب الحج ، ح 10 .
( 2 ) أورد صدره في الوسائل 11 : 78 ، ب 32 من وجوب الحج ، ح 2 ، وذيله في 82 ، ب 33 ، ح 3 .
( 3 ) الوسائل 11 : 83 ، ب 33 من وجوب الحج ، ح 6 ، وفيه : « ورحاله » بدل « ورجاله » .
( 4 ) التهذيب 5 : 478 ، ح 1690 . الوسائل 11 : 83 ، ب 33 من وجوب الحج ، ح 5 ، وذيله .
( 5 ) الوسائل 11 : 81 ، 82 ، 85 ب 33 من وجوب الحج ، ح 1 ، 2 ، 4 ، 8 .