تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الاستطاعة لا يخلو من قوّة [ 1 ] . [ ولا يجب الحجّ بمجرّد الاستطاعة العقلية التي تحصل بالخدمة ونحوها . وما شكّ في اعتباره في الاستطاعة زائدا على ما ثبت في الشرع لا يكون شرطا ] .
شرح
[ 1 ] وعلى كل حال فقد وسوس سيد المدارك وتبعه صاحب الحدائق « 1 » في الحكم بالنسبة إلى الراحلة فضلا عن الزاد ، من ظهور لفظ الاستطاعة في الآية « 2 » في الأعم من ذلك الشامل للمستطيع بالمشي ونحوه من غير مشقة لا تتحمّل كما اعترف به الأصحاب في حق القريب . ودلّ عليه صحيح معاوية بن عمار : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ ؟ قال : « نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين ، ولقد كان من حجّ مع النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم مشاة ، ولقد مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء ، فقال : شدوا ازركم واستبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم » « 3 » . وقال أبو بصير لأبي عبد اللّه عليه السّلام : قول اللّه عزّ وجلّ :وَلِلَّهِ« 4 » إلى آخره ، قال : « يخرج ويمشي إن لم يكن عنده ، قلت : لا يقدر على المشي ، قال : يمشي ويركب ، قلت : لا يقدر على ذلك أعني المشي ، قال : يخدم القوم ويخرج معهم » « 5 » . وصحيح محمد بن مسلم : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : قول اللّه عزّ وجلّ :وَلِلَّهِإلى آخره ، قال : « يكون له ما يحجّ به ، قلت : فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى ؟ قال : هو ممّن يستطيع الحجّ ولم يستحيي ؟ ! ولو على حمار أجدع أبتر ، فقال : إن كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل » « 6 » ونحوه صحيح الحلبي « 7 » عنه عليه السّلام أيضا . وفيه : أنّ من المعلوم ضرورة عدم الوجوب بمجرد الاستطاعة العقلية التي تحصل بالخدمة ونحوها كما تضمنه خبر أبي بصير منها ، ولا يلتزمه هذا المتوقّف . كما أنّ من المعلوم قصورها عن مقاومة ما عرفت من وجوه ، فلا معنى لحمل تلك النصوص من جهتها على إرادة بيان ما لو توقّف الحجّ على الزاد والراحلة كما هو الغالب ، أو على التقية أو غير ذلك . نعم لا بأس بالعكس لذلك فتحمل هي على كون المراد من هذه النصوص بيان فضل الحجّ المندوب والترغيب فيه ، وأنّه لا بأس بتحمل هذه المشاق نحو ما ورد في زيارة الحسين عليه السّلام وغيره من الأئمّة عليهم السّلام . وكون ذلك وقع تفسيرا للآية غير مناف بعد أن فسّرت النصوص استطاعة الواجب بما عرفت ، واستطاعة المندوب بذلك ، فيكون المراد من الآية القدر المشترك . أو أنّ المراد بيان حكم من استقر الوجوب في ذمته سابقا أو غير ذلك . وإن أبيت فليس لها إلّا الطرح في مقابلة ما عرفت من الإجماع والنصوص السابقة ، بل يمكن دعوى تحصيله ، كدعوى ضرورية عدم كفاية مطلق الاستطاعة في الوجوب . ومن هنا ظن بعض مشايخنا أنّ المراد بالاستطاعة المتوقّف عليها وجوب الحجّ معنى شرعي مجمل ، فكلّ ما شكّ في اعتباره فيها توقّف الوجوب عليه ؛ لأنّ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط « 8 » . وإن كان قد يناقش فيه بأنّا وإن علمنا عدم كفاية مطلق الاستطاعة ؛ في الوجوب إلّا أنّ النصوص كشفت ما اعتبره الشارع فيها ، فيبقى غيره على المراد بالاستطاعة ، ضرورة كون ذلك من قبيل الشرط الشرعي لها . وحينئذ فما شكّ في اعتباره فيها زائدا على ما ثبت في الشرع ينفي بأصل العدم نحو غيرها من ألفاظ المعاملة ، فليس حينئذ لها حقيقة شرعية ، بل ولا مراد شرعي مجمل ، كما لا يخفى على من لاحظ النصوص والفتاوى في المقام ، وإنّما التحقيق ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) المدارك 7 : 37 . الحدائق 14 : 82 . ( 2 و 4 ) آل عمران : 97 . ( 3 ) الوسائل 11 : 43 ، ب 11 من وجوب الحج ، ح 1 . ( 5 ) المصدر السابق : 43 - 44 ، ح 2 . ( 6 ) أورد صدره في الوسائل 11 : 33 ، ب 8 من وجوب الحج ، ح 1 ، وذيله في 40 ، ب 10 ، ح 1 . ( 7 ) أورد صدره في الوسائل 11 : 34 ، ب 8 من وجوب الحج ، 3 وذيله في 41 ، ب 10 ، ح 5 . ( 8 ) لم نعثر عليه .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 193 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي