شرح
كقول الصادق عليه السّلام في صحيح عبد الصمد : « أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه » « 1 » . وغيره ، بناء على إرادة عدم الإثم والمؤاخذة . واحتمال إرادة الأعمّ من ذلك ، يدفعه : أنّ التعارض بين الأدلّة حينئذ من وجه ، ولا ريب في كون الرجحان لأدلّة القضاء من وجوه ، منها الشهرة ، ومنها ظهور جملة من أدلّة القضاء في الجاهل كما لا يخفى على من لاحظ المقام وغيره . وأمّا الكفّارة فلإطلاق موثّقي سماعة « 2 » وصحيح ابن الحجّاج « 3 » وخبر عبد السلام بن الصالح الهروي « 4 » وغيرها ممّا رتّب فيها الكفّارة على الجماع ونحوه ممّا لا ريب في شموله للجاهل والعالم .
فما في المدارك من أنّه « لا دلالة في شيء من الروايات التي وصلت إلينا في هذا الباب على تعلّق الكفّارة بالجاهل ؛ إذ الحكم فيها وقع معلّقا على تعمّد الإفطار ، وهو إنّما يتحقّق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسد للصوم ، فإنّ من أتى بالمفطر جاهلا كونه كذلك لا يصدق عليه أنّه تعمّد الإفطار وإن صدق عليه أنّه تعمّد لذلك الفعل ، بل رواية ابن سنان « 5 » التي هي الأصل في هذا الباب إنّما تضمّنت تعلّق الكفّارة بمن أفطر في شهر رمضان متعمّدا من غير عذر ، والجهل بالحكم من أقوى الأعذار ، كما يدلّ عليه صحيح عبد الرحمان بن الحجّاج المتضمّن لحكم تزويج المرأة في عدّتها حيث قال : قلت : فأيّ الجهالتين أعذر جهالته أنّ ذلك محرّم عليه أم جهالته أنّها في عدّة ؟ فقال : « إحدى الجهالتين أهون من الأخرى ، الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه ، وذلك أنّه لا يقدر على الاحتياط معها ، فقلت : في الأخرى هو معذور ؟ قال : نعم » « 6 » » « 7 » لا يخفى ما فيه ، بل قد يمنع عليه عدم تناول تعمّد الإفطار للجاهل ؛ ضرورة صدقه على من أكل المفطر في الواقع وإن لم يعلم أنّه كذلك . ولو أنّه يعتبر فيه ذلك لم يتّجه له الحكم بأنّ عليه القضاء ؛ لما في الحدائق « 8 » من أنّ روايات القضاء قد علّق الحكم فيها على من أفطر عامدا والفرض عدم صدقه على الجاهل ، فالتفرقة حينئذ بينه وبين الكفّارة في غير محلّها . ودعوى أنّ مطلق الجهل عذر واضحة المنع وخبر ابن سنان لا صراحة فيه في ذلك بل ولا ظهور ، بل لعلّ الظاهر منه غير المتنبّه من الجاهل ؛ لأنّه الذي لا يقدر على الاحتياط ، بخلاف المتنبّه فإنّه يستطيع السؤال ، فالاستدلال له به على ذلك في غير محلّه ، كالاستدلال بموثّق زرارة وأبي بصير المتقدّم سابقا « 9 » الذي حملناه على غير المتنبّه من الجاهل . وبذلك كلّه ظهر لك ما في بقيّة الأقوال ، خصوصا نفيهما معا مطلقا وإن اختاره المحدّث البحراني « 10 » ، واللّه هو العالم .
هامش
( 1 ) الوسائل 8 : 248 ، ب 30 من الخلل الواقع في الصلاة ، ح 1 .
( 2 ) الوسائل 10 : 49 ، ب 8 ممّا يمسك عنه الصائم ، ح 12 ، 13 .
( 3 ) تقدّم في ص 604 .
( 4 ) الوسائل 10 : 54 ، ب 10 ممّا يمسك عنه الصائم ، ح 1 .
( 5 ) الوسائل 10 : 45 ، ب 8 ممّا يمسك عنه الصائم ، ح 1 .
( 6 ) الوسائل 20 : 451 ، ب 17 ممّا يحرم بالمصاهرة ، ح 4 ، مع اختلاف .
( 7 ) المدارك 6 : 67 .
( 8 ) الحدائق 13 : 61 - 62 .
( 9 ) تقدّم في ص 606 .
( 10 ) الحدائق 13 : 66 .