شرح
وخبر إسحاق « قلت لأبي إبراهيم عليه السّلام : الرجل يشتري الوصيفة يثبتها عنده لتزيد وهو يريد بيعها أعلى ثمنها زكاة ؟
قال : « لا ، حتى يبيعها ، قلت : فإذا باعها يزكّي ثمنها ؟ قال : لا ، حتى يحول عليه الحول وهو في يده » « 1 » .
وخبر ابن بكير وعبيد وجماعة من أصحابنا قالوا :
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ليس في المال المضطرب به زكاة ، فقال له إسماعيل ابنه : يا أبه جعلت فداك أهلكت فقراء أصحابك ، فقال : إي بني حقّ أراد اللّه أن يخرجه فخرج » « 2 » .
وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال : « الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول ولم يحرّكه » « 3 » .
وصحيحه الآخر ، قال : « كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السّلام وليس عنده غير ابنه جعفر عليه السّلام ، فقال : يا زرارة إنّ أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقال عثمان : كلّ مال من ذهب أو فضّة يدار ويعمل به ويتّجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول ، فقال أبو ذر : أمّا ما اتّجر به أو دير أو عمل به فليس فيه زكاة ، إنّما الزكاة فيها إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا ، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة ، فاختصما في ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فقال : القول ما قال أبو ذر ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام لأبيه : ما تريد إلّا أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقراءهم ومساكينهم ؟ فقال أبوه عليه السّلام : إليك عنّي لا أجد منها بدّا » « 4 » .
إلى غير ذلك من النصوص المعلوم رجحانها على الأولى ، بالأصل والعمل ومخالفة العامّة وغير ذلك ، فاتّجه حينئذ حملها على الندب .
بل ربّما توقّف فيه بعضهم ؛ لظهور هذه النصوص في خروج تلك مخرج التقية .
لكن فيه : أنّه - بعد التسليم - لا تنافي بين ذلك وبين الندب ، على أن تكون التقية حينئذ بالتعبير عن الندب بما ظاهره الوجوب اعتمادا على قرينة خارجية ، ومراعاة للجمع بين التقية والواقع .
ودعوى أنّ المراد من ذلك الأمر الوجوب تقية فلا دليل على الندب حينئذ ، يدفعها : أصالة حجية قول المعصوم عليه السّلام ، وأنّه في بيان حكم شرعي واقعي .
وكما أنّ التقيّة يقتصر فيها على أقلّ ما يندفع به ، كذلك المستعمل فيها من قول المعصوم عليه السّلام يقتصر فيه على أقلّ ما يمكن من إرادة التقيّة منه ، ومن ذلك ما نحن فيه .
ضرورة إمكان كون التقيّة في ذلك التعبير الذي ذكرناه ، فيبقى الأمر حينئذ على قاعدة إرادة الندب منه بعد معلومية عدم إرادة الوجوب ، كما هو واضح ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 9 : 75 ، ب 14 ممّا تجب فيه الزكاة ، ح 4 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 5 .
( 3 ) المصدر السابق : ح 3 .
( 4 ) المصدر السابق : 74 ، ح 1 .