تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
شرح
إلى غير ذلك ممّا هو ظاهر في أنّ ذلك عند بسط يد الإمام عليه السّلام لا في مثل زمن الغيبة أو نحوه ممّا كان فيه الإمام عليه السّلام بهذا الحال ، فإنّه لا يجب عليه قطعا - لو اتّفق حصول الجزء اليسير في يده الذي هو كالعدم بالنسبة إلى الخمس كلّه - إعطاؤه تماما للأصناف ودفعه إليهم ، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان ، خصوصا مع خلوّ الأخبار الواردة عنهم عليهم السّلام عن فعل أحد منهم شيئا من ذلك مع أنّه كان لهم وكلاء في البلدان على قبض ما يحصل من ذلك وغيره ، بل ظاهر ما ورد عنهم قبض حقّهم لهم ممّا اتّفق حصوله منه وإباحة من أرادوا إباحته . ولو كان الأمر كما سمعت لاختصّ ذلك بالأصناف ؛ ضرورة كثرتهم وشدّة حاجتهم وقلّة ما يحصل من الخمس من بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي هو أوّل زمان الابتلاء ، ومن المعلوم خلافه . كما أنّه من المعلوم عدم وجوب ذلك على الإمام عليه السّلام في مثل هذا الزمان المشرد فيه عن الأوطان ، والذي لم يستطع أن يرى فيه أحدا من أفراد الإنسان ، وكيف ؟ ! وسائر لوازم الإمامة ساقطة في هذه الأوقات المشحونة بالمحن والابتلاءات . ودعوى توكيل الفقيه المأمون في القيام بما يمكن من ذلك عنه ممنوعة كلّ المنع ، كدعوى القيام حسبة وإن لم يوكله كالولايات ونحوها في وجه . وبالجملة : فدعوى وجوب دفع حقّ الإمام عليه السّلام للأصناف [ الثلاثة ] الآن من حيث وجوب الإتمام عليه حتى في هذا الزمان للمرسلين السابقين ممّا لا تستأهل أن يسوّد بها قرطاس أو يستعمل فيها يراع . وفي خبر المعلّى بن خنيس المروي في أصول الكافي في باب سيرتهم عليهم السّلام في أنفسهم إذا ظهر أمرهم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام يوما : جعلت فداك ذكرت آل فلان وما هم فيه من النعم ، فقلت : لو كان هذا لكم لعشنا معكم ، فقال عليه السّلام : « هيهات هيهات يا معلّى ! أما واللّه أن لو كان ذلك ما كان إلّا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل الجشب ، فزوي ذلك عنّا ، فهل رأيت ظلامة قطّ صيّرها اللّه نعمة إلّا هذه » « 1 » . وهو كالصريح في سقوط هذه التكاليف عنهم عند قصور اليد . وأمّا الاستناد إلى إذن الفحوى بالطريق المتقدّم ففيه : منع حصول العلم بالرضا بذلك ؛ إذ المصالح والمفاسد التي في نظر الإمام عليه السّلام ممّا لا يمكن إحاطة مثلنا به ، خصوصا من لم تزهد نفسه في الدنيا منّا ، فقد يكون صلة واحدة من شيعته ، أو إطفاء فتنة بينهم ، أو فعل أمور لها مدخلية في الدين أولى من كلّ شيء في نظره ، كما يومئ إليه تحليلهم بعض الأشخاص وأقاربهم في شدّة الحاجة . فكيف يمكن القطع برضاه فيما يفعله غيرهم ؟ ! خصوصا مع عدم خلوص النفس من الملكات الردية ، كالصداقة والقرابة ونحوهما من المصالح الدنيويّة ، فقد يفضل على البعض لذلك ويترك الباقي في شدّة الجوع والحيرة ، بل ربّما يستغني ذلك البعض بقبض ما حصل له فيحتال في قبض غيره إلى تمليك زوجته أو ولده ما عنده كي يبقى فقيرا فيقبض ما يشاء . وكيف يمكن أن يقاس هذا بفعل أمير المؤمنين عليه السّلام « 2 » مع عقيل ؟ ! الذي فرّ منه لعدم صبره على تلك المؤونة . ويومئ إلى جملة ممّا ذكرنا من عدم الاعتماد على نحو هذه الفحوى في أموالهم عليهم السّلام ذيل توقيع العمري « 3 » الذي ذكرناه سابقا ، بل كاد يكون صريحا في بعضه ؛ ضرورة أنّه سأله عمّا يقطع في نظرنا وخيالنا بأنّه إحسان محض ، وأنّه يرضى به المالك ومع
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 410 ، ح 2 ، وفيه : « النعيم » بدل « النعم » . ( 2 ) البحار 40 : 347 ، ح 29 . ( 3 ) الوسائل 9 : 540 ، ب 3 من الأنفال ، ح 7 .