شرح
نكاحه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في آخر ، فتحرم عليه الصدقة بنصّ الخبر المذكور ، وإذا حرم عليه ذلك حلّ له الخمس ؛ لأنّه لمن حرّمت عليه ، فيعارض المرسل « 1 » السابق المصرّح بحلّية الصدقة له ، على أنّه مع موافقته للعامّة مشتمل على التعليل بالآية الكريمة الظاهرة في إرادة التقريب منه لا التحقيق ، وإلّا فهي بمعزل عمّا نحن فيه ، حيث إنّ سبب نزولها ما كان معتادا في الجاهلية من تبنّي اليتيم وجعله كالولد الحقيقي في سائر الأحكام ، حتى أنّهم أعابوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا تزوّج بزينب زوجة زيد بن حارثة ؛ لأنّه كان تبنّاه صغيرا حتى كان يدعى زيد بن محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فنزلت الآية ردّا عليهم ، لا أنّها لنفي بنوة ابن البنت الذي هو المطلوب .
كما أنّ قول الشاعر :بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهنّ أبناء الرجال الأباعدمع أنّه قول أعرابي جاهل لا يعارض الكتاب والسنّة محتمل لإرادة المتعارف المعتاد في جلب المنافع الدنيوية ودفع المضارّ بالأولاد وأولادهم دون أولاد البنات فكانوا كالأباعد بالنسبة إلى ذلك ، بل لعلّ ظهور إرادة هذا الشاعر المجاز والمبالغة في النفي شاهد على العكس ؛ إذ من البعيد إرادته بيان الوضع واللغة ، فتأمّل ، كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنت ومالك لأبيك » « 2 » إذ المراد منه نوع من المجاز قطعا لا ما نحن فيه .
والقول إنّ الولد مخلوق من ماء الأب ، والامّ ظرف ووعاء - كما في خبر عبد اللّه بن هلال عن الصادق عليه السّلام : سألته عن رجل تزوّج ولد الزنا ؟ فقال : « لا بأس ، إنّما يكون مخافة العار ، وإنّما الولد للصلب ، وإنّما المرأة وعاء » « 3 » - من غرائب الكلام بعد ما عرفت من الأخبار المتضمّنة لردّ عين هذه الدعوى من المخالفين .
بل قوله تعالى :يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ« 4 » أي صلب الرجل وترائب المرأة ، وقوله :نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ« 5 » أي مختلطة من مائهما [ كما في التفسير فإنّه تفسير للأمشاج لا لقوله : نبتليه ] أقوى شاهد على ردّه أيضا . مضافا إلى الأخبار الدالّة على ذلك . وكذا القول : إنّه يصحّ سلب اسم الولديّة عنه عرفا ؛ إذ فيه أنّه إن سلّم فالمراد نفيه بلا واسطة كولد الولد .
بل قد يناقش في العمل بالمرسل المذكور بعدم حجّيته في نفسه ، بل وعدم قابلية الشهرة لجبره أيضا ، بعد ظهور كون مستندها عندهم عدم صدق اسم الولد حقيقة لا هذا المرسل حتى يكون عملهم به طريق تبيّن .
ومن هنا كان الاحتياط في ترك أخذه الخمس والزكاة ، وإن كان الأقوى في النظر ما عرفت ؛ لإمكان دفع جميع ذلك بأدنى تأمّل ونظر ، خصوصا بعد تحرير الطريقة ووضوحها . لكن المحدّث المزبور قد بالغ في اختيار ذلك لاختلال طريقته مشدّدا للإنكار على الأصحاب بتسجيع شنيع وخطاب فظيع ، حتى أنّه تجاوز ما يجب عليه من الآداب مع حفظة السنّة والكتاب ، ونسأل اللّه تعالى أن يعفر له ذلك ، كما أنّه أوضح الآن له المسالك والمدارك ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 9 : 513 ، ب 1 من قسمة الخمس ، ح 8 .
( 2 ) الوسائل 17 : 263 ، ب 78 ممّا يكتسب به ، ح 1 .
( 3 ) الوسائل 20 : 443 ، ب 14 ممّا يحرم بالمصاهرة ، ح 8 ، وفيه : « إنّما يكره » ذلك بدل « إنّما يكون » .
( 4 ) الطارق : 7 .
( 5 ) الإنسان : 2 .