شرح
عبد اللّه عليه السّلام : « قلت له : ما يعطى المصدّق ؟ قال : « ما يرى الإمام عليه السّلام ولا يقدّر له شيء » « 1 » .
فالجمع بين ذلك والنصوص السابقة يقتضي حمل النهي في الخبرين السابقين [ أي خبر أبي ولّاد الحنّاط ، وخبر معاوية بن عمار وعبد اللّه بن بكير ] على الكراهة ، وأنّه يستحب إعطاء الخمسة فصاعدا . والمناقشة فيها [ - في الأدلّة الدالّة على الندب ] بأنّ الأصل مقطوع بالدليل . والإطلاق لا دلالة فيه على كيفية الإيتاء ، مع أنّه يجب تقييده بالدليل كالأصل . والإجماع - مع معارضته بغيره - متبيّن خلافه كما عرفت ، وبأنّ المراد من حسن عبد الكريم نفي القول بالبسط الذي ادّعاه عمرو بن عبيد المعتزلي كما هو مقتضى مساق الخبر ؛ لأنّ الصادق عليه السّلام قال له : « ما تقول في الصدقات ؟ فقال له : إنّما الصدقات للفقراء إلى آخر الآية ، قال : فكيف تقسّمها ؟ قال : اقسّمها على ثمانية أجزاء ، فاعطي كلّ جزء واحدا ، قال : وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة ، جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف ؟ قال : نعم قال : وتجمع صدقات أهل الحضر والبوادي فتجعلهم فيها سواء ؟ قال : نعم قال : فقد خالفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كلّ ما قلت في سيرته ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي ، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ، ولا يقسّم بينهم بالسويّة ، وإنّما يقسّم على قدر ما يحضره منهم وما يرى ، وليس في ذلك شيء موقّت موظّف ، وإنّما يصنع » « 2 » إلى آخر ما سمعت ، فسياقه يقتضي عدم التوقيت الذي ادّعاه عمرو . والمكاتبتان محمولتان على التقية ؛ لأنّ عدم التحديد مذهب العامة ، وحسن الحلبي إنّما هو في المصدق . والظاهر أنّ محل الخلاف في الفقير لا في باقي الأصناف المعلوم عدم جريان هذا الخلاف فيه ؛ إذ العمال والمؤلّفة والغارمون لا تقوم بهم الخمسة أو الدرهم ، كما هو واضح .
يدفعها [ - المناقشة ] قصور الخبرين « 3 » [ أي خبر أبي ولّاد ومعاوية بن عمار وعبد اللّه بن بكير ] عن معارضة الأصل .
والإطلاق الذي لا معنى لنفي دلالته بعد فرض اندراج معطى الأقل فيه ، وأنّ المورد لا يخصص الوارد . والتقيّة إنّما هي محمل اضطراري ؛ لما فيها من إخراج الخبر عن الحجية . والمراد من حسن الحلبي عدم التوقيت في أصناف الزكاة لا في خصوص العاملين .
وبالجملة : لا يخفى على من رزقه اللّه معرفة لحن القول عدم وجوب هذا التحديد ، خصوصا مع ملاحظة ما في الخبرين من التعليل الظاهر في إرادة الكراهة من النهي فيهما ؛ ضرورة كون المراد منه أنّه إذا كان ذلك هو الأقل فرضا فهو الأقل دفعا ؛ لأنّ الزكاة اسم للقدر المخصوص من المال ، فمع فرض كون أقلّه ذلك كان الناقص منه ليس زكاة ، فلا يصدق عليه أنّ المأتي زكاة حتى يكون خمسة فصاعدا . ولا يخفى عليك كونه تعليل مناسبة للحكم لا تعليلا له حقيقة لوجوه لا تخفى . ولعلّ الأشد من ذلك كراهة الأقل من الدرهم والقيراطين وإن كنّا لم نعثر على ما يدلّ على ذلك صريحا . وإجماع المرتضى في المصريات متبيّن خلافه ، على أنّه غير صريح ؛ لأنّ المحكي عنه أنّه قال فيها : « إنّ أقل ما يجزي من الزكاة درهم للاحتياط ، وإجماع الفرقة المحقة ؛ لأنّ من أخرج هذا المبلغ أجزأ عنه وسقط ما في ذمته بالإجماع ، وليس الأمر على ذلك فيمن أخرج أقل منه » « 4 » . وهو كما ترى .
هامش
( 1 ) الوسائل 9 : 257 ، ب 23 من المستحقّين للزكاة ، ح 3 .
( 2 ) الوسائل 9 : 265 ، ب 28 من المستحقين للزكاة ، ح 1 ، مع اختلاف .
( 3 ) تقدّم في ص 348 .
( 4 ) حكاه في المختلف 3 : 226 .