شرح
كاحتمال القول بأنّ الأمر بالأخذ لا يستلزم وجوب الإعطاء ، بل جزم به الفاضل في المحكي من نهايته في الأصول ، وقال : « لا يقال وجوب الأخذ إنّما يتم بالإعطاء ، وما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب . لأنّا نقول : الأمر هنا إن كان بالطلب لم يتوقف على الإعطاء ، وإن كان بالأخذ لم يكن الإعطاء واجبا ؛ لأنّ ما لا يتم الواجب إلّا به إنّما يكون واجبا لو كان مقدورا لمن وجب عليه الأخذ وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الأخذ ، فلا يكون واجبا » « 1 » .
وإليه يرجع ما في المختلف من قوله : « بعد تسليم أنّ الأمر للوجوب إنّما يدلّ على وجوب الأخذ عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا دفعت إليه ، ولا يستلزم ذلك وجوب الدفع إليه » « 2 » . هذا كلّه بعد القول بكون الأمر هنا للوجوب ، وهو غير معلوم ؛ لاحتمال كونه من الأمر بعد الحظر ، فيكون للإباحة . والأقوى في الجواب أنّ الآية « 3 » عند بسط يد الإمام عليه السّلام وظهور السلطنة التي أشير إليها بقوله عليه السّلام :
« الإمام عليه السّلام يرى رأيه بقدر ما رآه ، فإن رأى أن يقسّم الزكاة على السهام التي سمّاها اللّه قسّمها ، وإن أعطى أهل صنف واحد رآهم أحوج لذلك في الوقت أعطاهم » « 4 » الحديث .
وممّا يؤيّد ذلك أنّه بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما اغتصب الناس منصب السلطنة جرّوا على آثارها ، وأرسلوا عمالهم على جبايتها ، وحاربوا من منعها واستحلّوا دماءهم وسمّوهم أهل الردّة . وفي دعائم الإسلام : « وانّ أحدا لم يكن يفرّق زكاته بنفسه كاليوم » « 5 » .
بل عن أكثر فقهاء العامّة إيجاب الدفع إلى الامراء وإن علم عدم صرفها في محالها ، ورووا ذلك عن سعد بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي وأبي ثور وغيرهم ، حتى حكي عن بعضهم أنّه سئل عن الزكاة ؟ فقال : ادفعوها إلى الامراء ، ولو أكلوا بها لحوم الحيّات . وعن آخر أنّه سئل كذلك فأجاب بالدفع إلى الامراء ، فقيل له : إنّهم يشترون بها العقد والدرر وينفقونها فقال : ما أنتم وذلك ، أمرتم بدفعها إليهم وأمروا بصرفها في وجوهها ، فعليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا . وعن ابن عمر أنّه قال : أربعة إلى السلطان : الزكاة والجمعة والفيء والحدود وأنّه قيل : إنّ السلطان يستأثر بالزكاة ؟ فقال : ما أنتم وذلك ، أرأيتم لو أخذتم لصوصا فقطعتم بعضا وتركتم بعضا أكنتم مصيبين ؟ قالوا : لا ، قال : فلو رفعتم إلى السلطان فقطع بعضهم وترك بعضهم أكان عليكم من ذلك شيء ؟ قالوا : لا قال : ولم ؟ قالوا :
لأنّا قد فعلنا ما كان علينا أن نفعله من رفعهم إلى السلطان ، وما فعله فعليه ، قال : صدقتم وهكذا تجري الأمور إلى غير ذلك ، ممّا حكى عنهم في دعائم الاسلام « 6 » التي صرّح فيها بأنّ طريقة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن قام مقامه كان على نقل الصدقات وجمعها من أيدي أهلها ، وأنّه لا إذن لأحد منهم في تفرقتها وتوزيعها .
ولعلّه كذلك في زمن السلطنة الربانيّة لا في زمن الغيبة والتقية التي قد أمرنا فيها باخفاء الأحكام الشرعية الخفية ، فضلا عن نقل المال وجمعه المؤدّي إلى استئصال الشيعة .
هامش
( 1 ) نهاية الأصول : 109 .
( 2 ) المختلف 3 : 233 .
( 3 ) التوبة : 104 .
( 4 ) البحار 96 : 71 ، ح 45 ، وفيه : « ما أراه اللّه » بدل « ما رآه » .
( 5 ) دعائم الإسلام 1 : 262 ، مع اختلاف .
( 6 ) انظر دعائم الإسلام 1 : 262 - 263 .