شرح
سهم الفقراء وإن كان دينه أضعاف ما عنده ؛ لأنّه حينئذ غارم غير فقير « 1 » .
وفي شرح اللمعة للأصبهاني : « يمكن أن لا يكون المراد بالفقير هنا ما عرفته في الفقراء والمساكين من عدم مؤونة السنة فعلا أو قوّة ، بل عدم التمكّن من قضاء الدين بدليل أنّ جماعة منهم الشارح عبّروا بذلك ونحوه ممّا يفيد مفاده » « 2 » .
قلت : الأصل في ذلك ما دلّ على أنّ الزكاة إنّما شرّعت لسدّ الخلّة ودفع الحاجة ، وأنّها لا تحل لغني ، وأنّ اللّه شرك بين الأغنياء والفقراء إلى غير ذلك ممّا دلّ على كونها للفقراء .
وقد صرّح غير واحد باعتبار الفقر فيهم .
بل قد عرفت أنّه معقد الإجماعات المزبورة ، فيمكن أن ينقدح من ذلك اعتبار القدرة على قضاء الدين مع مؤونة السنة في الغني .
فمن عجز عنهما أو أحدهما فهو فقير ، ومن ملك ما يقابلهما معا كان غنيا كما صرّح به الأستاذ في كشفه في تعريف الفقر والغنى « 3 » ؛ ضرورة أنّ الحاجة إلى وفاء الدين أشدّ من الحاجة إلى غيرها من المؤن ، مضافا إلى صدق الفقير على من ملك قوت سنته وكان عليه أضعافها دينا ، وخصوصا إذا كان قد اشتراها به ، ولذا يعطى في الخمس وغيره ممّا يشترط فيه الفقر .
ودعوى أنّ مثله غني كما ترى فحينئذ اشتراط الفقر ممّن عرفت في محلّه ؛ إذ متى كان عاجزا عن وفاء الدين كلّا أو بعضا كان فقيرا وإن ملك قوت سنته ، وهو المراد من اشتراط التمكّن من القضاء .
ولعلّ إلى ذلك لمّح الفاضل بما في المحكي من نهايته من جواز إعطاء الغارم المتمكّن من قضاء دينه من الزكاة إذا كان بحيث لو صرف ما عنده في دينه صار فقيرا ؛ معلّلا له بانتفاء الفائدة في أن يدفع ماله ثمّ يأخذ الزكاة باعتبار الفقر « 4 » .
وإن كان في التعليل بل والعبارة ما لا يخفى .
بل الأولى تعليله بأنّه في الفرض فقير ؛ لقصور ما عنده عن مؤونة السنة التي منها وفاء الدين .
ومقابلة الغارمين في الآية للفقراء يمكن أن يكون لبيان كون الغرم مصرفا من مصارف الزكاة وإن لم يصدق على الغارم أنّه فقير كالميت ونحوه . فالغرض تعداد المصارف ، ويكفي هذا الاعتبار في المقابلة .
ولا ريب أنّ ذلك أولى من دعوى كون الفقير والغارم قسمين متقابلين ، بمعنى أنّه قد يكون الغارم غنيا إذا كان مالكا لمؤونة سنته ولم يكن عنده ما يقابل دينه ؛ ضرورة أنّه مع منافاته لما عرفت - يحتاج إلى ترجيح ما دلّ على جواز وفاء الغرم من الزكاة على ما دلّ على أنّها لا تحلّ للغني ، فتأمّل جيّدا ، فإنّ به يظهر لك ما في كلام جملة من الأعلام ، وقد تقدّم ، وربّما يأتي مزيد تحقيق لذلك كما أنّه به يظهر لك ثمرات مهمة في المقام وغيره .
هامش
( 1 ) المسالك 1 : 416 .
( 2 ) المناهج السويّة : الورقة 45 .
( 3 ) كشف الغطاء 4 : 176 .
( 4 ) نهاية الإحكام 2 : 391 .