تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
شرح
إلّا أنّه لم نجد عاملا به على ظاهره ، وإن كان قد يظهر من الدروس نوع توقّف في الحكم من جهته ؛ لأنّه اقتصر - بعد ذكر مثل ما هنا - على ذكر الخبر المزبور من غير تعرّض للتأويل « 1 » . وحمله في المدارك على الكراهة ، قال : « وروى الكليني بعدّة طرق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال : « تارك الزكاة ، وقد وجبت له مثل مانعها ، وقد وجبت عليه » « 2 » » « 3 » . ومرجعه إلى أنّ الأولى منعه منها واعطاؤها لمن يقبلها ، فإنّ ظاهره الغنى عنها . و [ حمله ] آخر على أنّ « لا » فيه إضراب عن الكلام السابق لا على النهي ، ويكون ما بعد « لا » بيانا . وحاصل المراد : أنّ له قبولها ولا يستحي من فريضة اللّه ، فإن لم يقبلها على هذا الوجه فلا يلزمه بها ويعطيها إيّاه على وجه الزكاة . ويفهم منه حينئذ جواز الإعطاء لا على هذا الوجه ، وجواب السؤال حينئذ إنّما علم من المفهوم ، وإلّا فمنطوق الخبر قد سيق لبيان حال المستحق من أنّه ينبغي له ولا ينبغي له « 4 » . و [ حمله ] ثالث على احتمال كون الامتناع لعدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق « 5 » . وفيه : أنّه خلاف ما فرضه الراوي ، وقال في الوافي بعد نقل الخبرين : « لعلّ الفرق بينهما أنّ الأوّل قد علم من حاله الاستحياء منها ، ولكن إذا بعثت إليه يقبلها إذا كان مضطرا إليها ، بخلاف الثاني فإنّه قد بعثت إليه ولم يقبلها ، وإنّما نهي عن إعطائها إيّاه ؛ لأنّه إن كان مضطرا إليها فقد وجب عليه أخذها ، فإن لم يأخذها فهو عاص ، وهو كمانع الزكاة ، وإن لم يضطر إليها ولم يقبلها فلا وجه لإعطائها إيّاه » « 6 » . قلت : يمكن حمل الحسن المزبور على عدم الاجتزاء بقبض المستحق مصرّحا باشتراط كونه لا على وجه الزكاة بل على وجه الصلة أو الهبة أو استيفاء دين يزعمه على الدافع أو نحو ذلك . وأنّه إن كانت الزكاة فهو غير قابل لها ، بخلاف الصحيح الأوّل ، فإنّ أقصاه إيصال الزكاة له من دون تسميتها له ، ولم يكن قد قبضها مشترطا في قبضه عدم كونها زكاة ، بل أقصاه عدم تشخيص قصده بكونها زكاة الحاصل من عدم تسميتها له ، ولا دليل على اشتراطه ، بل إطلاق الأدلّة يقتضي عدمه ، خصوصا بناء على أنّها في الذمة ، أو صارت فيها بالعارض ؛ لأنّها كالدين يكفي فيه نيّة الدافع . وكذا بناء على كونها في العين ، فإنّه يكفي نيّته وقبض المستحق بعنوان التملّك ؛ لإطلاق الأدلّة ، وصدق امتثال الأمر بالإيتاء . ومعلومية كون الزكاة ليست من قسم العقود المعتبر مطابقة قبولها ولو فعلا لإيجابها ، بل هي أشبه شيء بالأحكام ، واعتبار قبض المستحق إنّما هو لتحقيق امتثال الدافع فيما امر به من الإيتاء ، وإلّا فهو لا ربط له بالدفع .
هامش
( 1 و 3 ) الدروس 1 : 244 . المدارك 5 : 204 . ( 2 ) الكافي 3 : 563 ، ح 1 ، 2 . الوسائل 9 : 213 ، 214 ، ب 57 من المستحقّين للزكاة ، ح 2 ، 3 . ( 4 ) الحدائق 12 : 172 - 173 . ( 5 ) الوسائل 9 : 315 ، ب 58 من المستحقّين للزكاة ، ذيل الحديث 2 . ( 6 ) الوافي 10 : 218 ، ذيل الحديث 4 .