شرح
في كتبه الثلاثة أنّه موضع وفاق « 1 » . نعم في المبسوط : لو ادّعى القوي الحاجة إلى الصدقة لأجل عياله ففيه قولان ، أحدهما يقبل قوله بلا بيّنة ، والثاني لا يقبل إلّا ببينة ؛ لأنّه لا يتعذر ، وهذا هو الأحوط « 2 » . لكن في المختلف الظاهر أنّ مراد الشيخ بالقائل من الجمهور « 3 » . وعلى كلّ حال فقد استدلّ عليه بعضهم بالأصل « 4 » . وهو - مع أنّه لا يتمّ فيمن كان له أصل مال الذي ستعرف عدم الفرق بينه وبين المقام ، ولا فيمن ادّعى الكتابة أو الغرم كما ستعرف في سهم الرقاب والغارمين ؛ إذ من المعلوم كون الجميع من واد واحد عند المعظم ، بل مقتضاه جواز الدفع من دون دعوى - قد يناقش فيه بمعلومية انقطاع الأصل ؛ للقطع بحصول مال له في الجملة فيما مضى من الأزمنة . وفرض موضوع لم يحصل فيه القطع ، غير مجد ؛ إذ هو في غاية الندرة . نعم قد يقال : إنّ القطع بحصول مال له في الجملة لا ينافي استصحاب حال عدم الغنى له ؛ إذ حصول مال له أعم من حصول صفة الغنى له به .
لكن قد يدفع بأنّ المال المقطوع بحصوله له يمكن حصول وصف الغنى به ، ويمكن أن لا يكون كذلك . وإثبات صفته بالأصل كما ترى . وعلى كلّ حال فالاستدلال بالأصل لا يتمّ في جميع أفراد البحث ، كما هو واضح . ومن هنا استدلّ عليه بعضهم بما حاصله أنّ الأصل قبول كلّ دعوى للمسلم مع عدم المعارض له فيها « 5 » . ونصوص البيّنة بقرينة قوله عليه السّلام فيها : « واليمين على من أنكر » « 6 » .
ظاهرة في الدعوى المقابلة بالإنكار لا مطلقا . وفي خبر منصور بن حازم عن الصادق عليه السّلام : قلت له : عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس وفيه ألف دينار فسأل بعضهم بعضا : ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلّهم : لا ، وقال واحد : هو لي ، فلمن هو ؟ فقال : هو للّذي ادّعاه » « 7 » إشعار به في الجملة . بل قد يقال : إنّ الزكاة بعد أن أوجبها الشارع وملكها الفقراء صارت كالمال المطروح ، فمن ادّعى أنّه من أهلها أخذ منها . وفي الحدائق يستفاد من هذا الخبر أنّ كلّ من ادّعى ما لا يد عليه قضي له به ، وبذلك صرّح الأصحاب من غير خلاف ينقل . ثمّ حكى عن الشهيد الثاني في المسالك أنّه بعد نقل الرواية المذكورة دليلا للحكم قال : « ولأنّه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدّعي منه ، ولا لطلب البيّنة ولا لإحلافه ؛ إذ لا خصم له » « 8 » . وقد يناقش في هذا الدليل بأنّه لو سلّم فإنّما يسلّم في الكيس ونحوه ممّا لا مدخلية لمسلم آخر فيه ، بخلاف المقام الذي قد كلّف فيه المسلم بإيصال الزكاة للفقير المتوقف ذلك على العلم بفقره ولو بالبيّنة الشرعية وما يقوم مقامها . وليس دعوى الفقير من ذلك ، بل المقام أشبه شيء بدعوى العدالة أو دعوى الاجتهاد في جواز الصلاة خلفه أو الأخذ منه .
وأمّا ما دلّ من النصوص « 9 » على تصديق المرأة في أنّ لا زوج لها ، فمع موافقته للأصل في بعض الأفراد لا يتعدّى منه إلى غيره .
كبعض الصحاح « 10 » الدالّة على تصديقها في تجحيش نفسها إذا كانت مطلّقة ثلاثا .
هامش
( 1 ) المعتبر 2 : 568 . التذكرة 5 : 244 . المختلف 3 : 222 - 223 . المنتهى 8 : 384 .
( 2 ) المبسوط 1 : 247 .
( 3 ) المختلف 3 : 223 .
( 4 ) المنتهى 8 : 384 .
( 5 ) حكاه عن بعض مشايخه في الحدائق 12 : 166 .
( 6 ) انظر الوسائل 27 : 233 ، ب 3 من كيفية الحكم .
( 7 ) الوسائل 27 : 273 - 274 ، ب 17 من كيفية الحكم ، ح 1 ، وفيه : « ألف درهم » .
( 8 ) الحدائق 12 : 165 .
( 9 ) انظر الوسائل 20 : 299 ، 301 ، ب 23 ، 25 من عقد النكاح .
( 10 ) الوسائل 22 : 133 ، ب 11 من أقسام الطلاق ، ح 1 .