شرح
وما دلّ من النصوص « 1 » أيضا على قبول قول من كان عليه خمس أو زكاة في الاخراج ، وقبول قوله في إبدال النصاب فرارا من الزكاة ودعوى النقصان عند الخرص وغير ذلك من المواضع التي ذكر ثاني الشهيدين منها ما يزيد على عشرين . ثمّ قال : « وضبطها بعضهم بأنّها كلّ ما كان بين العبد وبين اللّه ، ولا يعلم إلّا من قبله ، ولا ضرر فيه على الغير ، أو ما تعلّق به الحدّ أو التعزير » « 2 » ؛ ضرورة مطالبة كلّ ما كان منها نحو المقام بالدليل . ودعوى كون المنشأ في الجميع أنّها دعوى لا معارض لها على وجه يشمل المقام ، ممنوعة .
ولعلّه لذا استشكل في الحكم هنا [ - ما لو ادّعى الفقر ] في المدارك وتبعه غيره ، قال : « والمسألة محلّ إشكال من اتفاق الأصحاب ظاهرا على جواز الدفع إلى مدّعي الفقر إذا لم يعلم له أصل مال من غير تكليف له ببيّنة ولا يمين ، وورود بعض الأخبار بذلك ، وكونه موافقا للأصل ، واستلزام التكليف بإقامة البيّنة على الفقر الحرج والعسر في أكثر الموارد ، ومن أنّ الشرط اتّصاف المدفوع إليه بأحد الأوصاف الثمانية ، فلا بدّ من تحقّق الشرط كما في نظائره ، والاحتياط يقتضي عدم الاكتفاء بمجرّد الدعوى إلّا مع عدالة المدّعي أو ظن صدقه » « 3 » . وفيه : أنّ عدالة المدّعي أو ظنّ الصدق لا يجديان في إثبات الشرط أيضا على وجه يحصل به براءة الذمة ، كما هو واضح .
ولعلّه أشار بورود بعض الأخبار « 4 » إلى ما ورد في اعطاء السائل ولو كان على ظهر فرس ، أو إلى خصوص خبر عبد الرحمن عن الصادق عليه السّلام قال : جاء رجل إلى الحسن والحسين عليهما السّلام وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا : « إنّ الصدقة لا تحل إلّا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ، ففيك شيء من هذا ؟ قال : نعم » فأعطياه ، وقد كان الرجل سأل عبد اللّه بن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر فأعطياه ، ولم يسألاه عن شيء ، فرجع إليهما فقال لهما : ما بالكما لم تسألاني عن حالي كما سألني الحسن والحسين عليهما السّلام وأخبرهما لما قالا ، فقال ، إنّهما غذّيا بالعلم غذاء « 5 » . وضعف السند منجبر بالشهرة أو الاتفاق ظاهرا كالدلالة . وكأنّهما عليهما السّلام علما كونه من غير الأصناف الأخر وانحصار حاله في الفقر أو الغرم بناء على إرادة الصدقة الواجبة أي الزكاة . والإنصاف أنّه مع ذلك كلّه لا مناص عمّا عليه الأصحاب في المقام ، وفي دعوى الكتابة والغرم ونظائرها لذلك [ - النصوص ] . أو لأنّ الثابت من التكليف إيتاء الزكاة لا إيتاؤها للفقير مثلا ، وقوله تعالى :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ« 6 » إلى آخره لا يفيد إلّا كونها لهم في الواقع دون غيرهم لا أنّ المكلّف يجب عليه إحراز الصفات في الدفع . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تحلّ الصدقة لغني » « 7 » إنّما يفيد مانعية الغنى لا شرطية الفقر في الدفع والإيتاء ، وفرق واضح بينهما . فالزكاة في يد من كانت مكلّف بدفعها ، وأمّا من تناولها فإن عرف أنّه من أهلها فهي حلال له ، وإلّا فحرام عليه ؛ لأنّها مال اللّه ، وليس لأحد مدخلية فيها ، فهي في الحقيقة كالمال المطروح الذي لا يد لأحد عليه مؤيّدا ذلك كلّه بالعسر والحرج في التكليف بالبيّنة في كثير من المقامات ، وبالسيرة والطريقة ، وما يظهر من جملة من النصوص في الصدقة الواجبة والمندوبة قولا وفعلا . ومن ذلك يظهر لك الحال في قول المصنّف : [ وكذا لو كان له أصل مال وادّعى تلفه ] .
هامش
( 1 ) الوسائل 9 : 76 ، ب 15 ممّا تجب فيه الزكاة ، ح 1 ، وانظر 129 ، ب 14 من زكاة الأنعام .
( 2 و 3 ) المسالك 13 : 503 . المدارك 5 : 202 .
( 4 ) الوسائل 9 : 417 ، ب 22 من الصدقة ، ح 1 .
( 5 ) الكافي 4 : 47 ، ح 7 . ذكر صدره في الوسائل 9 : 211 ، ب 1 من المستحقّين للزكاة ، ح 6 .
( 6 ) التوبة : 60 .
( 7 ) الوسائل 9 : 233 ، ب 8 من المستحقّين للزكاة ، ح 8 .