شرح
فإنّه يزكّيه ، قلت له : فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو يومين « 1 » ، قال : ليس عليه شيء أبدا ، وقال زرارة عنه عليه السّلام : إنّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته ثمّ يخرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه ، وقال : إنّه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة ، ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر ، إنّما لا يمنع ما حال عليه الحول ، فأمّا ما لم يحل عليه فله منعه ، ولا يحل له منع مال غيره فيما قد حلّ عليه » .
والظاهر من قوله عليه السّلام : « هذا » الإشارة إلى قوله : « أيّما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنّه يزكّيه » والصواب « ثمّ وهبه فإنّه يزكّيه » ، ولعلّه سقطت كلمة : « ثمّ وهبه » من قلم النسّاخ ، أو اكتفى عنها بدلالة ما بعدها عليها .
قال زرارة : وقلت له : رجل كانت له مئتا درهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا بها من الزكاة فعل ذلك قبل حلّها بشهر ، فقال : « إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول ، ووجبت عليه فيها الزكاة ، قلت له : فإن أحدث فيها قبل الحول ، قال : جائز ذلك له ، قلت : إنّه فرّ بها من الزكاة ، قال : ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها ، فقلت له : إنّه يقدر عليها ، فقال : وما علمه أنّه يقدر عليها وقد خرجت من ملكه ، قلت : فإنّه دفعها إليه على شرط ، فقال : إنّه إذا سمّاها هبة جازت الهبة وسقط الشرط وضمن الزكاة ، قلت : له : وكيف يسقط الشرط وتمضي الهبة ويضمن الزكاة ؟ فقال : هذا شرط فاسد ، والهبة المضمونة ماضية ، والزكاة لازمة عقوبة له ، ثمّ قال : إنّما ذلك له إذا اشترى بها دارا أو أرضا أو متاعا ، ثمّ قال زرارة : قلت له : إنّ أباك عليه السّلام قال لي : من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها ، فقال : صدق أبي عليه أن يؤدّي ما وجب عليه ، وما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه ، ثمّ قال : أرأيت لو أنّ رجلا أغمي عليه يوما ثمّ مات فذهبت صلاته أكان عليه وقد مات أن يؤدّيها ؟ قلت : لا ، إلّا أن يكون أفاق من يومه ، ثمّ قال : لو أنّ رجلا مرض في شهر رمضان ثمّ مات فيه أكان يصام عنه ؟ قلت : لا ، قال : فكذلك الرجل لا يؤدّي عن ماله إلّا ما حال عليه الحول » « 2 » .
فإن ذيله صريح في إرادة الفرار بعد الحول ، وما فيه من الإجمال السابق في الهبة غير قادح .
فمن الغريب بعد ذلك ما في انتصار المرتضى من « أنّ ابن الجنيد [ القائل بالعدم ] قد عوّل على أخبار رويت عن أئمّتنا عليهم السّلام تتضمّن أنّه لا زكاة عليه وإن فرّ بماله ، وبإزاء تلك الأخبار ما هو أظهر منها وأقوى وأولى وأوضح طريقا تتضمّن أنّ الزكاة تلزمه ، ويمكن حمل ما تضمّن من تلك الأخبار « أنّها لا تلزمه » على التقية ، فإنّ ذلك مذهب جميع المخالفين ، ولا تأويل للأخبار التي وردت بأنّ الزكاة تلزمه إذا فرّ منها إلّا ايجاب الزكاة ، فالعمل بهذه الأخبار أولى » « 3 » .
وفيه - مضافا إلى ما عرفت - : أنّه يمكن حملها على الندب .
وما نسبه إلى جميع المخالفين لم نتحقّقه .
نعم هو منقول عن الشافعي وأبي حنيفة ، والمحكي عن أحمد ومالك الوجوب « 4 » .
هامش
( 1 ) في الوسائل : « بيوم » .
( 2 ) التهذيب 4 : 35 ، ح 92 . وذكر صدره في الوسائل 9 : 163 ، ب 12 من زكاة الذهب والفضّة ح 2 ، وذيله في 161 ، ب 11 ، ح 5 .
( 3 ) الانتصار : 219 .
( 4 ) المجموع 5 : 468 .