. . . . . . . . . .
شرح
رواة المواسعة مقابل ذلك ، ولذا ردّه غير واحد بأنّ الرواة رووا أخبار الطرفين .
وكم له من عجيب جرّ به الطعن إلى نفسه ممّن تأخّر عنه من الأساطين ، بل ومن عاصره ، فإنّك قد سمعت « 1 » أنّ سديد الدين محمود الحمصي - المعاصر له ، صاحب التصانيف الكثيرة ، علّامة زمانه في الاصوليّين « 2 » ، كما عن تلميذه منتجب الدين - كان يطعن عليه بأنّه مخلط لا يعتمد على تصنيفه .
ولعلّه أخذه ممّا يظهر عليه من إرادة الترويج .
فربّما يدّعي الدعوى ويذكر فيها الإجماع ، ثمّ ينقضها في مكان آخر قريب منه ويدّعي فيها الإجماع ، كما حكى عنه في مفتاح الكرامة « 3 » أنّه نقل الإجماع في بحث الولاء ، على أنّه إذا كان المعتق المتوفّى امرأة فولاؤها لعصبتها دون ولدها وإن كانوا ذكوراً ، ثمّ رجع عنه ؛ لأنّه راجع تصانيف الأصحاب وأقوالهم فوجدها مختلفة ، ثمّ ما بَعُد به المدى حتى نسب إلى الخلاف خلاف ما نقل هو عنه ، وربّما يمدح الموافق له تارة ؛ لأنّه وافقه ، ويذمّه أخرى ويجعله عن العلم بمعزل ، إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره ، بل لو أردنا استقصاء البحث في نفس عبارته التي سمعتها في الرسالة المزبورة لاحتاج إلى تسويد جملة من القرطاس ، وفيما سمعته الكفاية للمتنبّه الفطن .
وممّا سمعت يظهر البحث أيضاً في إجماعات غيره في المقام ، كإجماع الشيخ في الخلاف « 4 » الذي علّله بأنّهم لا يختلفون في ذلك ، فإنّه يرد عليه ما سمعته في كلام المفيد ، على أنّه هو بنفسه قد يشعر بعض عباراته في بعض كتبه به ، بل ربّما آوى بعض أخبار المواسعة غير رادّ لها ولا مؤوّل ، بل ربّما تشعر جملة من عباراته في الاستبصار « 5 » بأنّ المدار في تضيّق الحاضرة عنده الوقت الاختياري . ومن هنا قال بعض مشايخنا المحقّقين : إنّ كلام الشيخ في كتبه لا يخلو من اختلاف واضطراب « 6 » .
وأمّا إجماع ابن زهرة فلا يخفى على الخبير حاله ، بل وحال غيره من إجماعاته ، بل قد يحتمل أنّ منشأه هنا دعوى المرتضى الإجماع على فوريّة الأوامر المطلقة في الكتاب والسنّة ، أو تلك العبارة التي سمعتها في كلام المفيد أو غير ذلك .
وبقي إجماع الرسيات وشرح الجمل ، ويجري فيهما بعض ما تقدّم .
وبالجملة : الركون هنا إلى هذه الإجماعات التي قد عرفت حالها من الفتاوى والروايات ممّا لا يقطع بالعذر معه عند ربّ السماوات ، خصوصاً بعد ما سمعت من معارضتها بالإجماعات السابقة في أدلّة المواسعة ، واشتهار الإعراض عنها في الأعصار المتأخّرة المملوّة من الأفاضل المحقّقين الذين لا يجسر على دعوى قصورهم عن المتقدّمين ، بل هي على العكس أقرب إلى الصواب كما لا يخفى على ذوي الألباب ، بل هم معهم أشبه شيء بقوله تعالى :( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها )« 7 » .
ويكفيهم في الفضل أنّهم علموا ما عند المتقدّمين وزادوا عليهم بما عندهم ، وأعلم الناس من يجمع علمه وعلم غيره .
ولقد أجاد المجلسي طاب ثراه فيما حكي عنه في أحكام صلاة الجمعة من البحار حيث قال : وأيّ فرق بين عمل الشهيد الثاني
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 29 .
( 2 ) في المصدر : « الاصولين » .
( 3 ) مفتاح الكرامة 3 : 395 .
( 4 ) الخلاف 1 : 278 .
( 5 ) الاستبصار 1 : 245 .
( 6 ) انظر مفتاح الكرامة 3 : 394 .
( 7 ) البقرة : 106 .