. . . . . . . . . .
شرح
النزاع كما عرفت . بل الظاهر أنّه كذلك حتى لو بدا له بعد النيّة قبل الصلاة تماماً ؛ لعدم ظهور أثر تلك النيّة الذي يظهر من النصوص اعتباره في حصول أحكامها ، ولذا لو رجع إلى قصد السفر في هذا الحال عاد إلى التقصير ، فكذا لو أدخل في نيّته التردّد فيما دون المسافة قبل الصلاة تماماً عاد إلى التقصير بناءً على ما قلناه من عدم صحّة ذلك لو كان في الابتداء . نعم الأولى في الاستدلال للمذهب المزبور بخبر محمّد ابن إبراهيم الحصيني قال : استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الإتمام والتقصير ، قال : « إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام وأتمّ الصلاة ، فقلت له : إنّي أقدم مكّة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة ، قال : انو مقام عشرة أيّام واتمّ الصلاة » « 1 » ؛ ضرورة عدم تصوّر النيّة منه بعد لزوم الخروج عليه لعرفات للحجّ قبل مضيّ العشرة إلّا على المذهب المزبور من عدم قدح ذلك في النيّة .
لكنّك خبير : 1 - بقصور سند الخبر المذكور عن إثبات الحكم المسطور ، خصوصاً بعد ما عرفت أنّه لم يذهب إليه أحد هنا سوى من سمعت . 2 - وببناء الاستدلال به على منع كون عرفات على أربعة فراسخ من مكّة أو على عدم لزوم التقصر في الخروج 14 / 310 / 504
لعرفات لكون المسافة ثمانية أو أربعة من الرجوع ليومه ، فيتمّ حينئذٍ دلالته على ذلك . أمّا على ما سمعته سابقاً من كون المسافة أربعة مع قصد الرجوع ولو لغير يومه فلا يتّجه الاستدلال به ، بل يجب حينئذٍ طرحه أو جعل ذلك من خواصّ مكّة أو تأويله على التقادير الثلاثة المتقدّمة ؛ إذ من الواضح منافاته لنيّة الإقامة على كلّ حال . وكذا لو قلنا بالتخيير بين القصر والإتمام مع عدم قصد الرجوع ليومه كما هو المشهور بين المتقدّمين ؛ إذ القائل المزبور كلامه مختصّ بمجامعة نيّة الإقامة لقصد الخروج عمّا دون المسافة خاصّة ، أمّا المسافة فلا ريب في منافاته لنيّة الإقامة . اللهمّ إلّا أن يفرّق بين المسافة الموجبة للقصر وبين المخيّرة ، ويخصّ المنافاة بالأولى دون الثانية فيجعلها كدون المسافة في ذلك . كما احتمله بعضهم « 2 » بالنسبة إلى بطلان حكم الإقامة ، بل عن الأستاذ الأكبر :
أنّه بباله عن بعض مشايخه أنّه حكى ذلك عن العلّامة 3 ، فلا يرجع المقيم حينئذٍ إلى التقصير لو بدا له الخروج إلى المسافة التخييريّة ثمّ عاد إلى محلّ الإقامة . ومنه ينقدح احتماله حينئذٍ فيما نحن فيه أيضاً من عدم منافاة ذلك لو أخذه في النيّة ؛ ضرورة مساواته حينئذٍ لما دون المسافة ، لكنّه كما ترى كلام قشريّ وحديث سوفسطائي . وأمّا صحيح زرارة عن الصادق عليه السلام : « من قدم قبل التروية بعشرة وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكّة ، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير ، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر » « 4 » . وقريب منه آخر « 5 » على ما قيل . فلا دلالة فيه على ذلك ؛ إذ الفرض أنّ نيّته إقامة العشرة تامّة ؛ لقدومه قبل التروية بعشر ، وتقصيره في خروجه إلى منى لبطلان حكم إقامته بقصد المسافة لقضاء نسك عرفات ، وفيه شهادة : 1 - على كون المسافة أربعة وإن لم يرد الرجوع ليومه . 2 - وعلى كونها محتّمة للقصر لا مخيّرة . اللهمّ إلّا أن يقرّر الاستدلال به : بأنّه لا وجه لإتمامه في البيت عند رجوعه للزيارة بعد هدم إقامته الأولى إلّا بأن يكون قد نوى الإقامة فيه بعد الحجّ كما هو المعتاد على ما قيل « 6 » ، ولذا ترك التقييد به في النصّ ، وإتمامه حينئذٍ بمنى حتى ينفر لا يتمّ إلّا إذا قلنا بعدم منافاة قصد مثل ذلك في ابتداء الإقامة لها . لكنّه كما ترى شكّ في شكّ وتأويل في تأويل ، فالأولى طرحه بالنسبة إلى ذلك ، أو حمله على خصوص مكّة ، أو على غير ذلك ممّا لا ينافي المختار ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 8 : 528 ، ب 25 من صلاة المسافر ، ح 15 .
( 2 ) 2 ، 3 مفتاح الكرامة 3 : 559 . المصابيح 2 : 255 .
( 4 ) الوسائل 8 : 464 ، ب 3 من صلاة المسافر ، ح 3 ، وفيه : « عن أبي جعفر عليه السلام » .
( 5 ) الوسائل 8 : 503 ، ب 15 من صلاة المسافر ، ح 19 .
( 6 ) الوافي 7 : 154 ، ذيل الحديث 15 .