[ و ] المتّجه على المختار [ وهو كون الشرط أحدهما ] الاكتفاء بالموجود منهما ، ولا حاجة إلى مراعاة تقدير الآخر ، وإذا فقد اكتفي بما يتحقّق منهما على فرض وجوده .
[ حدّ الترخّص فيما لا يوجد فيه الجدران ولا أذان ] :
وهل يكفي الظنّ حال التقدير أو يعتبر القطع ؟ وجهان ، أحوطهما إن لم يكن أقواهما الثاني ( 1 ) .
شرح
( 1 ) هذا ، وقد يشكل التقدير - زيادةً على ما عرفت - بأنّه بناءً عليه تكون العلامتان ممكنتين دائماً لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى ؛ ضرورة جريان التقدير في كلّ مقام ، فلا وجه حينئذٍ لجعل الشرط أحدهما لا على التعيين . بل كان يكفي خصوص الأذان أو الجدران ، سيّما مع اختلافهما وحصول خفاء الأذان قبل خفاء الجدران غالباً إن لم يكن دائماً ، بخلاف ما إذا لم نعتبر التقدير ؛ إذ وجه التعدّد حينئذٍ اختلاف الأمكنة في حصول كلٍّ منهما ، فأريد التعميم بذكر العلامتين لكلٍّ من المكانين ، وإذا اتّفق اجتماعهما في مكان اعتبر خفاؤهما معاً ؛ لأنّه المتيقّن ، فلا يقدح التفاوت المزبور حينئذٍ .
وقد يجاب : بأنّ التعدّد قد يكون للتسهيل والتخفيف في غالب الأمكنة ؛ لعدم حصول الاطمئنان بالتقدير لكثير من الناس فيوكل الفرد النادر حينئذٍ إليه وهو من فقدهما معاً لا واجدهما أو الواحد منهما .
والتفاوت المزبور غير قادح في التقريبات من الشارع وإن صارت تحقيقيّة بعد تقديره تقريباً ، خصوصاً إذا كان يسيراً وكان اتّفاقيّ الحصول من كلٍّ منهما ، لا أنّه لازم لواحد دون الآخر ؛ إذ المتّجه عليه حينئذٍ حمل تلك الزيادة على الندب ونحوه ؛ إذ هو أشبه شيء بالتخيير بين الأقلّ والأكثر .
مع احتمال أن يكون وجهها في المقام - بناءً على اختصاص خفاء الجدران بها - هو عدم حصول الاطمئنان بخفاء الأذان عند فقده حسّاً إلّا بخفائها .
على أنّ الإشكال إنّما يحسن لو أنّ الشارع أفاد الشرطيّة بأن قال : المعتبر خفاء أحدهما ، أمّا إذا كان ذلك حاصلًا من جهة اتّفاق الاجتماع وتعارض الدليلين - وإلّا فهو إنّما بيّن سببيّة كلٍّ منهما مستقلّة - فلا إشكال فيه أصلًا ، كما يوضّح ذلك لك فرض وقوعه من مثل السادات لعبيدهم وغيرهم . فيندفع حينئذٍ إشكال التفاوت المزبور سواء قلنا بكون الشرط أحدهما - كما هو المختار - أو مجموعهما ؛ ضرورة اشتراكهما في وروده فيشتركان في دفعه . وإن كان قد يتوهّم ممّا سمعته في تقريره اختصاص المختار به .
بل قد يتوهّم أيضاً أنّه بسبب هذا الإشكال قيل بالتخيير بين العلامتين ، على معنى أنّ تكليفه ما يختاره منهما الذي قد عرفت فساده ممّا تقدّم ؛ لعدم الدليل عليه ، كما أنّك عرفت هنا أنّه لا إشكال يلجئ إلى ارتكاب ذلك ، فتأمّل جيّداً فإنّه ربّما دقّ .
وإن أبيت عن ذلك كلّه فقل : إنّ العلامتين راجعتان في الواقع إلى شيء واحد مشخص لا اختلاف فيه ، كما اختاره الأستاذ الأكبر « 1 » وإن أوجب أيضاً اجتماعهما لتحصيل اليقين به ، وذلك لعدم معلوميّة المراد من التواري على التشخيص والتعيين بحيث لا يقبل الزيادة والنقيصة ، وكذا الأذان حتى لو أريد المتوسّط منه ؛ لاختلافه أيضاً باختلاف الأزمنة من الليل والنهار ، والأمكنة والأصوات والسامعين وغير ذلك ، ولا دليل على اعتبار التخمين . لكنّك خبير بما فيه بعد الإحاطة بما سمعت .
إلّا أنّ الإنصاف بعد ذلك كلّه عدم ترك الاحتياط بتأخير الصلاة إلى خفائهما معاً أو الجمع بينه وبين الإتمام .
هامش
( 1 ) المصابيح 2 : 173 .