تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
. . . . . . . . . .
شرح
ولعلّ اختيار الأصحاب هذا التعبير على ما في الصحيح لإرادة بيان كون المراد به ذلك ؛ إذ المواراة عن البيوت لا سبيل إلى معرفة المسافر لها على التحقيق إلّا باستتاره عنها . واحتمال إرادة من في البيوت من البيوت في الصحيح ، يدفعه - مع أنّه إضمار بلا قرينة ، وعدم معلوميّة كون من في البيوت على السطوح أو الأرض ، ومقدار الارتفاع والانخفاض ونحو ذلك - : أنّ المناسب حينئذٍ أن يقدّره باستتار من في البيوت عليه ؛ لأنّه هو الذي يستطيعه المسافر حتى يكون علامة ؛ ضرورة عدم معرفته أنّه استتر عن أهل البيوت أو لا ؛ إذ ذاك أمر لا يرجع إليه . اللهمّ إلّا أن يجعل ذلك على سبيل التخمين . وفيه : أنّه لا وجه له مع تمكّنه منه على طريق التحقيق بأن ينظر إلى من في البيوت ولم ير أحداً منهم ، فيعلم أنّه توارى عنهم ؛ لأنّ الغالب مساواة الأشخاص والأنظار ، فلو كان ذلك هو العلامة لاعتبر الشارع الطريق إليها . فعلم كون المعتبر خفاء نفس البيوت لا من فيها . فالوجه حينئذٍ بناء ذلك على التسامح في مثل هذا التفاوت اليسير ، ولعلّه لاختلاف المسافرين باعتبار سهولة كلٍّ من العلامتين عليه ، بل عدم تيسّر الأخرى له إلّا بمراعاة التقدير الذي يصعب الاطمئنان به في كثير من الأمكنة . بل جزم بعض فضلاء المعاصرين بأنّ السبب في ذكر العلامتين التسهيل والتخفيف على المكلّفين « 1 » بالاكتفاء في التقصير بأيّهما حصل من غير التفات إلى صورة الاجتماع وحصول أحدهما وتخلّف الآخر ، وإنّما المراد كون خفاء الأذان سبباً في الجملة وكذا الجدران ، فيكفي في صدق ذلك إذا كان كلٌّ منهما منفرداً بدون الآخر كما هو الغالب على ما في الرياض « 2 » . بل جعل المعاصر المزبور ذلك هو مراد الأصحاب حتى من ذكر « الواو » فضلًا عن « أو » . لكن فيه : أنّه مبنيّ على أنّ اعتبار المعيّة في كلام بعضهم مخصوص بما إذا اجتمعا . أمّا إذا سافر عن مكان لا جدران فيه أو لا أذان وجب الاكتفاء بأحدهما من غير ملاحظة الآخر . كما جزم به الفاضل في الرياض 3 والمقدّس البغدادي وغيرهما ، بل ظاهر الأخير منهما أنّه من القطعيّات التي لا شكّ فيها . وهو وإن كان على تقديره فيه نوع تأييد للمطلوب عند التأمل إلّا أنّه للنظر فيه مجال ؛ لظهور مثل هذه العبارات في أمثال هذه المقامات - نصّاً وفتوى - في إرادة التقدير عند الفقدان . فالمتّجه حينئذٍ بناءً على اعتبار المعيّة - التي جعلت وجه جمع بين الخبرين - اعتبار تقدير المفقود كما إذا فقدا معاً ، فإنّه لا ريب في التقدير حينئذٍ وإن ذكره في الروض احتمالًا « 4 » . اللهمّ إلّا أن يقال : فرق بين المقامين ؛ ضرورة انحصار الطريق في الثاني في التقدير ، ولا مرجّح لأحدهما على الآخر ، بخلاف ما إذا وجد أحدهما وفقد الآخر فإنّه لا مانع من الاكتفاء به عملًا بما دلّ عليه ، ولا حاجة إلى تقدير الآخر ، بل لا معنى له ؛ إذ أقصى ما يسلّم من ظهور الخبر في التقدير ، إنّما هو فرض وجوده في خصوص ذلك الوقت بعد أن يكون أصله موجوداً . أمّا إذا كان لا وجود له أصلًا فلا معنى لتقديره ، خصوصاً إذا كان البناء على المعتاد في تلك البلاد في مقدار ارتفاعه ومكان الأذان ، كما يومئ إليه إضافة الأذان إلى المصر مثلًا ونحو ذلك ، فتأمّل . وكيف كان ف [ - المتجه على المختار . . . ] .
هامش
( 1 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 402 - 403 . ( 2 ) 2 ، 3 الرياض 4 : 435 . ( 4 ) الروض 2 : 1045 .