تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
. . . . . . . . . .
شرح
قال : « والحقّ في الجواب : أنّ التخيير بين الخبرين ، وإذا أخذ بأحدهما لم يلتفت إلى ما جاء به الآخر حتى كأنّه لم يجئ » ثمّ قال : « وإذا أخذ بواحدٍ منهما فهل يتعيّن الأخذ به ولا يسوغ له العدول إلى الآخر من حيث إنّ الشارع خيّره فاختار نصيبه أو لا زال على التخيير كما لو كان التخيير بين الفعلين كما في المواطن الأربع ؟ وجهان . . . إلى آخره » . لكن لا يخفى عليك أنّ ذلك كلّه من غرائب الكلام ؛ ضرورة أنّه لا دلالة في شيء من كلمات الجماعة على أصل التخيير فضلًا عن هذا التخيير المزبور [ أي العمل بكلٍّ من الروايتين ] ؛ إذ لم يعبّروا إلّا بنحو المتن ، وهو ظاهر - أن لم يكن صريحاً - في إرادة ثبوت التقصير بأحدهما ، فلا يقدح حينئذٍ تخلّف الآخر ؛ إذ أقصاه أنّه علامة ، وهي لا يجب اطّرادها كما أوضحناه لك سابقاً ، فإنّ مفهوم كلٍّ منهما مقيّد بمنطوق الآخر ، فلا تناقض حينئذٍ ، ولا تخيير حقيقةً ، بل هو أشبه شيء بتقديري الكرّ : المساحة والوزن اللذين لا يقدح في تحقّق الكرّية بأحدهما تخلّف الآخر ، على ما عرفته في محلّه . ومنه يعلم فساد ما أطنب به الأستاذ الأكبر من بيان عدم جواز مثل هذا التخيير « 1 » ، وأنّه أوضح فساداً من القول بالتصويب ، وليت شعري كيف يحتمل إرادة التخيير بين العمل بكلٍّ من الروايتين هنا من عبارات الأصحاب ؟ ! ولو أرادوه لم يجز التعبير بذلك ؛ لاختلافه بحسب اختيار الفقيه لأيّ الروايتين ، على أن تكون تكليفه وتكليف مقلّديه ، ولا دليل على أنّ التخيير هنا كتخيير الحائض بالرجوع إلى الروايات . وبالجملة : كأنّ المقام من الواضحات التي لا تحتاج إلى مزيد إطناب . ومنه حينئذٍ تعرف وجه اندفاع سائر ما تقدّم ممّا أورد على هذا القول ؛ ضرورة أنّك عرفت كون مبناه تقييد كلٍّ من مفهوم الخبرين بمنطوق الآخر ، وهو جارٍ على مقتضى الضوابط والقواعد . بل ومنه تعرف أيضاً ضعف ترجيح الجمع بكون الشرط في التقصير خفاءهما معاً عليه ، كما ذهب إليه جماعة . بل قيل : إنّه المشهور بين المتأخّرين « 2 » ، بل عن حاشية الألفيّة للكركي نسبته إليهم « 3 » ، كما عن آخر نسبته إلى الشهرة « 4 » والأكثر من غير تقييد ، بل عن الخلاف الإجماع عليه « 5 » ؛ ضرورة كون مبناه تقييد كلٍّ من الخبرين بالآخر حتى يكون الشرط حينئذٍ اجتماعهما . وفيه : أنّ التعارض فيهما بين المنطوق والمفهوم لا المنطوقين ، فلا وجه لتقييد أحدهما بالآخر ، بل هو في الحقيقة إبطال للدليل من غير معارض ، ولعلّه لذا رجّح في المدارك الجمع الأوّل عليه ، بل قال : « إنّه بعيد جدّاً » « 6 » . فما في الرياض حينئذٍ من ترجيح الجمع المزبور على الأوّل - إمّا لرجحانه في نفسه عليه عند التعارض ، أو لأوفقيّته باستصحاب التمام « 7 » - محلّ للنظر . مع أنّ الأوّل مصادرة محضة ، والثاني غير مجدٍ بعد ما عرفت من مخالفة الجمع المزبور لمقتضى الضوابط . ومعارض بموافقة الأوّل ؛ لإطلاقات السفر وللضرب في الأرض . بل وبما دلّ على التقصير بمجرّد الخروج من المنزل كالمرسل السابق وغيره . وأمّا إجماع الخلاف : فهو - مع ما قيل من أنّه مساق للردّ على من اكتفى في التقصير بمجرّد الخروج من المنزل ، كما يومئ
هامش
( 1 ) المصابيح 2 : 167 . ( 2 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 397 . ( 3 ) حاشية الألفيّة ( رسائل الكركي ) 3 : 249 ، وفيه : « الأظهر بين المتأخّرين » . ( 4 ) المهذّب البارع 1 : 489 . ( 5 ) الخلاف 1 : 572 . ( 6 ) المدارك 4 : 457 . ( 7 ) الرياض 4 : 435 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 526 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي