كما أنّه لا ينافي الاستدامة على العمل في سائر ما تعتبر فيه من العبادات ، فمن صام ناوياً للصوم وعازماً عليه لم يقدح في صحّة صومه بناؤه من أوّل الأمر على القطع عند عروض المانع منه ، ولا تردّده في حصول المبطل قهراً له .
بل قد يقال بعدم قدحه لو تردّد فيه وكان احتمال العروض والعدم على حدّ سواء ( 1 ) .
بل وكذا لو كان احتمال العروض أقوى أيضاً ، فمن سافر قاصداً للمسافة وعازماً عليها إلّا أنّه يظنّ عروض اللصوص في طريقه الذين بسببهم يتردّد في سفره أو يقصد الرجوع قصّر فيه .
بل يمكن القول بذلك [ بالقصر ] حتى لو علم العروض ( 2 ) .
وأوضح منه لو فرض عروض العلم بذلك له في الأثناء ( 3 ) .
[ اعتبار علم التابع بقصد المتبوع ] :
نعم يعتبر علم التابع بقصد المتبوع مسافة ( 4 ) ؛ كي يتحقّق قصده إلى ذلك عند الانحلال .
أمّا لو جهله واحتمل كون مقصد المتبوع غير مسافة لم يترخّص ( 5 ) ، فحينئذٍ يتمّ وإن قطع مسافات ( 6 ) .
شرح
( 1 ) لصدق قصد المسافة قبل العروض ، وللاستصحاب .
( 2 ) إذ القاطع لقصد المسافة نقض القصد الأوّل فعلًا ، لا العلم بحصول ما يقتضي النقض فيما يأتي من الزمان .
( 3 ) اللهمّ إلّا أن يقال : إنّه لا يتصوّر الاستمرار على القصد معه ، كما أنّه لا يتصوّر أصل القصد إلى المسافة لو كان ذلك معلوماً له من أوّل الأمر ، وهو أمر آخر غير ما نحن فيه ، مع أنّه يمكن منعه خصوصاً في الأوّل وإلّا لنافاه التردّد أو الظنّ . ومن ذلك كلّه :
1 - ظهر لك ما في تقييد الشهيد ؛ إذ حصول الأمارة لا ينافي التبعيّة المقصودة فعلًا المقتضية للعزم على مسافة المتبوع والقصد إليها ، ولعلّه لذا أطلق الفاضل في المنتهى على ما حكي عنه قصر الزوجة والعبد وإن عزما على الرجوع بعد ارتفاع اليد عنهما « 1 » .
2 - بل وظهر ما في كلامه في الذكرى أيضاً من أنّه « لو بلغه خبر عبده أو غائبة في بلد يبلغ مسافة فقصده جزماً ، فلمّا كان في أثناء الطريق نوى الرجوع إن ظفر به قبل البلد ، فهو حينئذٍ في حكم الراجع عن السفر ، فإن كان قد قطع المسافة لم يخرج عن السفر ، وإلّا خرج » « 2 » مع أنّه كان عليه [ الشهيد ] تقييده بما إذا قامت أمارة لذلك ، لا مجرّد الاحتمال أو الفرض كما هو واضح .
( 4 ) كما صرّح به في الذكرى والروض ومجمع البرهان « 3 » وغيرها .
( 5 ) لعدم حصول الشرط ؛ إذ إناطة قصده بقصد متبوعه - مع فرض الجهل به ، واحتمال كونه غير مسافة - لا تجدي في تحقّقه وفي صدق كونه قاصدَ مسافة ، وإلّا لصدق على طالب الآبق ونحوه - الذي في علم اللَّه أنّه لا يصيبه حتى يقطع مسافات - أنّه قاصد مسافة ممّا هو معلوم البطلان .
( 6 ) إذ قد عرفت أنّ تبيّن كون قصد المتبوع مسافة بعد ذلك لا يوجب القصر حال الجهل ولا حال العلم ؛ لأنّ الشرط قصد المسافة ابتداءً .
هامش
( 1 ) المنتهى 6 : 340 .
( 2 ) الذكرى 4 : 301 - 302 .
( 3 ) الذكرى 4 : 302 . الروض 2 : 1027 . مجمع الفائدة والبرهان 3 : 370 .