[ لكن عدم كراهة إنفاذ الحكم مطلقاً ، أي سواء كان دائماً أو جدليّة هو الأقوى ]
شرح
كون الحكم منهم بغير ما أنزل اللَّه لتقصير في مقدّمات أو اتّباع للشهوات - وبيننا الذين لا نأمن من شيء من ذلك ، بل نحن إليه أقرب من غيره ، ونسأل اللَّه العصمة فإنّه المفزع والملجأ في الأمور كلّها .
والمتبادر من تعريف الضالّة - الذي عبّر به الفاضل « 1 » أيضاً - انشادها لا نشدانها ، كما فهمه الشهيد الثاني « 2 » وسبطه « 3 » تبعاً للمحقّق الثاني في الجامع والفوائد « 4 » ، فينحصر دليله حينئذٍ في التعليل في مرسل الفقيه « 5 » الثاني وفي مرسله الأوّل 6 نفسه وخبر الحسين بن يزيد 7 بناءً على إرادة ذلك من الضالّة في الأوّل و « تنشد » في الثاني لظهور اشتقاقه من الإنشاد الذي هو بمعنى التعريف لا النشدان الذي هو بمعنى طلبها كما عن الصحاح « 8 » التصريح بهما معاً ، ويكون تركهما النشدان - كالمحكي عن الحلّي « 9 » - لعدم كراهته عندهما ، أو لاستفادة حكمه بالمساواة أو الأولويّة من التعريف أو أنّهما لم يذكرا حكمه .
لكنّ الثلاثة كما ترى ؛ إذ لا مجال لإنكار كراهته بعد صراحة المرسل الثاني به .
ودلالة التعليل في خبر جعفر بن إبراهيم « 10 » وصحيح ابن مسلم « 11 » عليه ، والمساواة أو الأولويّة المزبورتين .
واحتمال المرسل الأوّل وخبر الحسين له مستقلّاً أو مع الانشاد ، خصوصاً المرسل باعتبار امتناع ترجيح إضمار الأوّل عليه ، بل المرسل الثاني شاهد على إضماره ، كشهادته على الاشتقاق من النشدان لا الإنشاد في خبر الحسين .
ولعله لذا ربّما ظهر من بعضهم اختصاصه بالكراهة دونه ، خصوصاً على ما ستسمعه من المناقشة في شمول التعليل له ، وكذا لا وجه لاتّكالهما على المساواة أو الأولويّة بعد ما عرفت من نصّ الخبر ، كما أنّه لا وجه لسكوتهما عن بيانه . فمن هنا فهم المحقّق الثاني والشهيد الثاني في بعض كتبهما إرادة الإنشاد والنشدان « 12 » من التعريف ، والأمر سهل بعد ما عرفت من وضوح الدليل على كراهتهما معاً . والمناقشة في كراهة الأوّل منهما بأنّ الإنشاد من أعظم العبادات ، والأولى به الجامع ، وأعظمها المساجد ، فلا يشمله التعليل ، وفي كراهته أيضاً أو الثاني أو فيهما بخبر عليّ بن جعفر : سأل أخاه عليه السلام عن الضالّة أيصلح له أن تنشد في المسجد ؟
فقال : « لا بأس » « 13 » .
يدفعها : أنّ المساجد ليست لمطلق ما يحصل به الثواب ، وإلّا فكثير من الأمور السابقة المكروه فعلها فيها - حتى البيع والشراء إذا كانا لتحصيل المئونة الواجبة أو المندوبة - قد تقترن بما يقتضي استحبابها .
وأنّه يمكن الجمع بين الحقّين بالإنشاد على أبوابها كما ذكره الأصحاب في باب اللقطة على ما حكاه في الروض عنهم « 14 » .
وأنّه لا تنافي بين نفي البأس والكراهة ، لا أقلّ من أن يكون كالعامّ والخاصّ .
هامش
( 1 ) القواعد 1 : 262 .
( 2 ) الروض 2 : 629 .
( 3 ) المدارك 4 : 402 .
( 4 ) جامع المقاصد 2 : 150 . فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 224 .
( 5 ) 5 ، 6 ، 7 تقدّم في ص 390 ، 391 .
( 8 ) الصحاح 2 : 543 .
( 9 ) السرائر 1 : 279 .
( 10 ) تقدّم في ص 391 .
( 11 ) تقدّم في ص 392 .
( 12 ) حاشية الإرشاد ( حياة الكركي ) 9 : 76 . الروضة 1 : 220 .
( 13 ) الوسائل 5 : 234 ، ب 28 من أحكام المساجد ، ح 1 ، وليس فيه : « له » .
( 14 ) الروض 2 : 630 .