. . . . . . . . . .
شرح
فيكون حينئذٍ كقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير المرادي عن الصادق عليه السلام : « لا يصلّي المسافر مع المقيم ، فإن صلّى فلينصرف في الركعتين » « 1 » ، الذي يراد منه أنّ الأرجح له أن لا يفعل ، فإن فعل كانت هذه كيفية صلاته ، بل ينبغي الجزم بالنسبة للنهي الأوّل بقرينة الأخبار الأول ، بل يمكن تحصيل القطع بالجواز فيهما بملاحظة السيرة والطريقة ، وعدم معروفية المنع مع كثرة وقوع ذلك في زمن النبيّ وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام وغيرهما ؛ إذ لا زال المتردّدون من الأطراف عندهم ويحضرون الصلاة معهم ، كما أنّهم عليهم السلام لا زالوا هم في سفر يأمّون فيه من فرضه الإتمام ، ومع ذلك لم ينقل خبر من الأخبار أنّهم عليهم السلام منعوهم من الائتمام في أحد الحالين ؛ إذ لو وقع لشاع وذاع حتى خرق الأسماع ؛ لتوفّر الدواعي إليه .
ودعوى عدم صراحة الموثّق المزبور بالكراهة ؛ لاحتمال اختصاص الصحّة بصورة الضرورة والتقية ، كما هو مورد الخبر ، نحو المحكي عن فقه الرضا عليه السلام ، بل فيه زيادة على « وإن ابتلي » « ولم يجد بدّاً من أن يصلّي معهم » « 2 » وهو نصّ في اختصاص الحكم بالجواز والصحة بحال الضرورة ، وهو لا يستلزم ثبوته كلّية ، كما هو ظاهر الجماعة ، بل الثابت خصوص الحال المزبور ؛ لاعتبار سند الخبرين - أي الموثّق والرضوي - وصلاحيّتهما بذلك لتقييد إطلاق الصحاح بحالة الضرورة ؛ إذ غايتها إفادة الصحّة في الجملة ، ولا إشكال فيها كذلك ، وإنّما هو في كلّيّتها وعمومها لحال الاختيار ، وليس فيها تصريح بل ولا إشارة ، بل غايتها الإطلاق المحتمل للتقييد بالضرورة جمعاً بين الأدلّة ، مع أنّه مساق لبيان حكم آخر غير الجواز ، وهو كيفية اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس - لو اتّفق - ردّاً على جماعة من العامّة القائلين بأنّه إذا اقتدى المسافر بالمقيم لزمه التمام ، وهم الشافعي وأبو ثور « 3 » وأبو حنيفة وأصحابهم « 4 » « 5 » ، ولا عبرة به حينئذٍ فيما نحن فيه ؛ ضرورة حجّيته فيما يساق له .
يدفعها - بعد الإجماع حتى من الصدوقين ؛ إذ المحكي عنهما إطلاق المنع - وضوح قصور الخبرين عن التقييد سنداً ودلالة واعتضاداً ، بل الثاني منهما غير حجّة عندنا ، وفي سند الأوّل منهما داود بن الحصين ، وعن ابن عقدة « 6 » والشيخ أنّه واقفي « 7 » ولا بيان فيه للابتلاء المجوّز لذلك ، بل لعلّ كثيراً من أفراده لا يتصوّر فيه الاضطرار ؛ إذ التقيّة لا يمكن حمل الأخبار هنا حتى الموثّق عليها ، باعتبار نصوصيّتها في خلاف الكيفيّة التي عندهم في ائتمام المسافر بالحاضر بعد الإغضاء عن دعوى الظهور أو القطع بانسياق إرادة بيان شدّة الكراهة من نحو العبارة في مثل المقام ، وكأنّ المقام من الواضحات التي لا تستأهل تطويل البحث ، كما أنّ إثبات الكراهة في الأمرين معاً كذلك وإن كان ربّما يظهر من اقتصار المتن - كالمحكي عن غيره « 8 » - على كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر انتفاؤها في العكس ، كما حكي عن ظاهر المراسم « 9 » ، بل قيل : « إنّه كاد يكون صريح التحرير ، ومال إليه أو قال به في المختلف » « 10 » انتهى ؛ إذ إجماع الخلاف والغنية « 11 » والموثّق المزبور المعتضد بالرضوي كافٍ في إثبات الكراهة التي يتسامح فيها .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 329 ، ح 3 .
( 2 ) فقه الرضا عليه السلام : 163 . المستدرك 6 : 466 ، ب 16 من صلاة الجماعة ، ح 1 .
( 3 ) في المصدر بدلها : « والثوري » .
( 4 ) المجموع 4 : 365 .
( 5 ) في المصدر : « أصحابه » .
( 6 ) نقله في خلاصة الأقوال : 221 .
( 7 ) رجال الطوسي : 349 .
( 8 ) الإرشاد 1 : 272 .
( 9 ) انظر المراسم : 86 ، 88 .
( 10 ) مفتاح الكرامة 10 : 215 .
( 11 ) الخلاف 1 : 560 - 561 . الغنية : 88 .