تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
و [ قد ] يقال : إنّ العدالة ( 1 ) عبارة عن اجتناب جميع الكبائر - التي منها الاصرار على الصغائر - واقعاً ، سواء كان ذلك عن ملكة ، أو كان بعضها عنها والآخر عن مجرّد اتفاق ، لكنّ الطريق إلى الحكم بكون الرجل مجتنباً للكبائر حسن الظاهر ( 2 ) .
شرح
( 1 ) عندهم كما يومئ إليه كلام ابن إدريس « 1 » وغيره . ( 2 ) على حسب ما يستفاد من الأخبار ، فيكون هي في الواقع ذلك وإن كان الحكم بتحقّقها شرعيّاً . فمن اطّلع حينئذٍ على وقوع كبيرة من شخص ولو متستّراً ذهبت عدالته ، ولا يجوز له أن يصلّي خلفه ؛ إذ حسن الظاهر غير مثمر بعد الاطّلاع على انتفائها ؛ إذ الفرض أنّها عبارة عن اجتناب الكبائر واقعاً . ولا ينافي ذلك كونه يحرم على المطّلع أن يتكلّم لمكان كونه غيبة . نعم لو دعي إلى الشهادة في مقام الجرح وجب عليه أن يشهد للإجماع على جوازها في مثل هذا المقام ، وتنقدح حينئذٍ أصل العدالة وإن كان صدور المعصية منه على وجه التستر بحيث لا ينافي حسن الظاهر قطعاً . ومن ذلك يظهر حينئذٍ وجه تقديم الجرح على التعديل ؛ لكون المعدّل يثبت حسن الظاهر والجارح لا ينفيه ، بل يقول : إنّي اطّلعت منه على ما يذهب العدالة وإن بقي حسن ظاهره . 13 / 300 / 494 فقول الأصحاب العدالة حسن الظاهر لا يخلو من مسامحة ؛ إذ حسن الظاهر نفسه ليس بعدالة ، بل العدالة غيره ، وهو طريق إليها ، وليست هي الملكة كما يقوله المتأخّرون ، فتأمّل جيّداً . ودعوى أنّ الملكة عندهم هي هذه القوة التي انتظم بها حسن الظاهر - إذ حسن الظاهر لا يكون إلّا عن ملكة وقوّة يصدر عنها - واضحة المنع أوّلًا ، والفساد ثانياً ؛ ضرورة كثرة وقوع ملكة التدليس . على أنّ حسن الظاهر قد يكون لا عن ملكة بل مجرّد اتفاق ، بل لا معنى لاشتراط الملكة حينئذٍ بالتقرير المتقدّم ، بل هو في الحقيقة رجوع للقول بحسن الظاهر ، كما هو واضح . فظهر لك من ذلك كلّه - بحمد اللَّه - شدّة ضعف القول بأنّها الملكة ، بل لعلّه مساوٍ في الضعف للقول الأوّل فيها [ القول بأنّ العدالة هي ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق ] . وقد سمعت أنّ الخراساني اعترف بعدم الشاهد له في فتاوى القدماء من أصحابنا ، وأنّه اقتفوا به أثر العامة ، وبأنّه لا شاهد له في النصوص أصلًا ، ولعلّه كذلك . والصحيحة « 2 » [ أي صحيحة عبد اللَّه بن أبي يعفور ] التي هي أشدّ ما ورد في أمر العدالة قد عرفت أنّه لا دلالة فيها على القول بالملكة بوجه من الوجوه ، مع أنّها على اختلاف متنها قد اشتملت على ما لا يقدح في العدالة إجماعاً ، كحضور الجماعة . ومن هنا احتمل بعضهم أن يراد بها كون الرجل معروف العدالة بين المسلمين حتى تصير شهادته حجة لكلّ من احتاج منهم ، ومتلقّاة بالقبول « 3 » .
هامش
( 1 ) السرائر 2 : 117 . ( 2 ) تقدّم في ص 221 . ( 3 ) المصابيح 1 : 443 - 444 .