وقيل : العدالة عبارة عن ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروّة ( 1 ) .
شرح
( 1 ) والمراد بملازمة التقوى اجتناب الكبائر ، وعدم الإصرار على الصغائر ، بل هو من جملة الكبائر ، وبالمروّة أن لا يفعل ما تنفر النفوس عنه عادة ، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة ، وعن مصابيح الظلام أنّه المشهور بين الأصحاب « 1 » .
بل عن الشيخ نجيب الدين العاملي نسبته إلى العلماء « 2 » ، ولعلّ المراد المتأخّرون ، وإلّا فقد عرفت أنّ المتقدمين لم يأخذ أحد منهم ذلك في تعريفهم ، بل في الكفاية وعن الذخيرة : لم أعثر على هذا التعريف لغير العلّامة « 3 » ، وليس في الأخبار له أثر ولا شاهد عليه فيما أعلم ، وكأنّهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة ، وعن مجمع البرهان نحوه « 4 » ، مع أنّه نسبه في مجمع البرهان إلى أنّه مشهور بين عامّة العامّة والخاصّة ، فيكون قرينة على إرادة المتأخّرين .
وحجّتهم على ذلك كما قيل : إنّ العدالة لغة الاستقامة وعدم الميل إلى جانب أصلًا ، فإنّ الفسق ميل عن الحقّ والطريق المستقيم ، وموضوعات الألفاظ يرجع فيها إلى اللغة والعرف ، فلا بدّ أن يكون في الواقع استقامة ؛ لأنّ الألفاظ أسامٍ للمعاني الواقعية لا ما ثبت شرعاً أو ظهر عرفاً ؛ إذ ذلك خارج عن معنى اللفظ جزماً ، فحيث صارت العدالة شرطاً فلا بدّ من ثبوتها والعلم بها ؛ لأنّ الشكّ في الشرط يقتضي الشكّ في المشروط ، فمقتضى ذلك العلم بعدم الميل بحسب نفس الأمر ، ولا يحصل ذلك إلّا بالمعاشرة الباطنية بحيث يحصل من ملاحظة حاله الوثوق والاطمئنان بأنّه لا يميل ، وهو معنى الملكة والهيئة الراسخة . وكذلك الحال في لفظ الفاسق ، وهو أمر معروف مشاهد في كثير من الناس بالنسبة إلى بعض المعاصي كالزنا بالامّ واللواط بالولد ونحو ذلك ، وإن كانت مراتبهم في ذلك ونحوه متفاوتة ، فمنهم من له ملكة في البعض ، ومنهم من له ملكة في الجميع « 5 » .
فلا يمكن حينئذٍ للإنسان أنّ يعلم عدالة شخص حتى يعلم أنّه له ملكة يعسر عليه مخالفة مقتضاها بالنسبة إلى جميع المعاصي ، ولا يكون ذلك إلّا بالاختبار الباطني وتتبّع الآثار حتى تطمئن نفسه بحصولها في الجميع ، كما في الحكم بسائر الملكات من الكرم والشجاعة ونحوهما .
وربّما ادّعى بعضهم أنّه يمكن ردّ كلام أكثر المتقدّمين إلى ذلك ، كما أنّه حمل الأخبار على إرادة تتبّع الآثار المطلعة على الملكة ، سيّما صحيحة ابن أبي يعفور ، فإنّ هذه الأشياء المذكورة فيها غالباً توصل إلى اطمئنان النفس بالملكة « 6 » .
لكنّه كما ترى في غاية الضعف ، بل عليه لا يمكن الحكم بعدالة شخص أبداً إلّا في مثل المقدّس الأردبيلي والسيّد هاشم على ما ينقل من أحوالهما ، بل ولا فيهما ، فإنّه أيّ نفس تطمئنّ بأنّهما كان يعسر عليهما كلّ معصية ظاهرة وباطنة ؟ ! كلّا إنّ ذلك لبهتان وافتراء ، بل الإنسان من نفسه لا يعرف كثيراً من ذلك .
ومن العجيب تنزيل صحيحة ابن أبي يعفور على الاطمئنان في حصول الملكة في جميع المعاصي بواسطة اجتناب المذكور
هامش
( 1 ) المصابيح 1 : 428 .
( 2 ) نقله في مفتاح الكرامة 3 : 80 .
( 3 ) كفاية الأحكام 1 : 144 . الذخيرة : 305 .
( 4 ) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 351 .
( 5 ) المصابيح 1 : 439 - 441 .
( 6 ) المصابيح 1 : 443 .