. . . . . . . . . .
شرح
فيها منها التي هي بالنسبة إليه في جنب العدم ، وكيف يعرف الشخص ببعض أحواله ، مع أنّا نرى بالعيان تفاوت الناس أجمع في ذلك ؟ ! فكم من شخص تراه في غاية الورع متى قهر بشيء أخذ يحتال ويرتكب ما لا يرتكبه غيره من المحرّمات في قهر من قهره ، كما نرى ذلك كثيراً في أهل الأنفة والأنفس الآبية ، وآخر متى أصابه ذلّ ولو حقيراً ارتكب من الأمور العظيمة - التي تستقرّ بها نفسه - ما لا يفعله أعظم الفسّاق ، بل أغلب الناس كذلك وإن كانت أحوالهم فيه مختلفة ، فمنهم بالنسبة إلى ماله ، ومنهم بالنسبة إلى عرضه ، ومنهم بالنسبة إلى أتباعه وأصحابه .
فدعوى أنّه بمجرّد الخلطة على جملة من أحواله يحصل الجزم والاطمئنان بأنّه في سائر المعاصي - ظاهرها وباطنها ما عرض له مقتضاها وما لم يعرض - له ملكة يعسر عليه مخالفتها مقطوع بفسادها .
وكيف ؟ ! وقد سئل الأردبيلي - على ما نقل - ما تقول لو جاءت امرأة لابسة أحسن الزينة متطيّبة بأحسن الطيب وكانت في غاية الجمال وأرادت الأمر القبيح منك ؟ ! فاستعاذ باللَّه من أن يبتلى بذلك ، ولم يستطع أن يزكّي نفسه . فمن الواضح فساد ذلك كلّه ، سيّما بالنسبة إلى حال كثير من رواة الأخبار ، وإن قلنا بكون التزكية من الظنون الاجتهادية . لكنّ دعوى حصول الظنّ بالملكة العامة لسائر المعاصي - كذب وافتراء وغيرهما - بمجرّد نقل بعض أحواله كما ترى . ومراعاة الأخبار تقضي بأنّ العدالة أمرها سهل ، كما ينبئ عنه الحث على الجماعة سفراً وحضراً ، وقولهم : إذا مات الإمام أو أحدث قدم شخص آخر ممّن خلفه . على أنّ أمر العدالة محتاج إليه في كثير من الأشياء كالطلاق والديون والوصايا وسائر المعاملات ، وهي على هذا الفرض في غاية الندرة ، بل لا يخلو من العسر والحرج قطعاً ، بل ظاهر الرواية التي هي مستندهم خلافه ؛ لقوله عليه السلام فيها : « ساتراً لعيوبه وأن يكون معروفاً بالستر والعفاف وإذا سئل عنه قيل لا نعلم منه إلّا خيراً » « 1 » ، خصوصاً مع ملاحظة لفظ الستر .
بل قد يقطع بعدم وجود الملكة في أكثر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك صدر منهم ما صدر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتمان الشهادة ، حتى ورد « 2 » أنّهم كلّهم دخلهم شكّ عدا المقداد وأبي ذرّ وسلمان وعمّار . واحتمال زوالها عنهم بمجرّد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستبعد جدّاً ، كما في سائر أهل الملكات ؛ إذ الظاهر أنّ الملكة على تقدير زوالها إنّما تزول بالتدريج لا دفعة ، كما اتفق لهم ، فتأمّل . مضافاً إلى أنّ الحكم بزوالها عند عروض ما ينافيها - من معصية أو خلاف مروّة - ورجوعها بمجرّد التوبة ينافي كونها ملكة . واحتمال أنّ المراد الملكة مع عدم وقوع أحد الكبائر خلافُ ظاهر تعريفهم من أنّها عبارة عن الملكة الباعثة على ذلك ، ولا ريب أنّ اتفاق وقوع الكبيرة لا يرفع أصل الملكة . وإرادة أنّه يرتفع الحكم بها يدفعها حكمهم بعودها بمجرّد التوبة من غير حاجة إلى تجديد الاختبار .
ودعوى أنّ ذلك أمر تعبّدي شرعي للإجماع ، وإلّا فلا يحتاج للاختبار للملكة - نعم يحتاج إلى زمان يعرف منه الندم ، وقد يظهر ذلك في أيسر زمان - يدفعها : أنّ الثابت من الشارع أنّه بفعل ذلك يكون فاسقاً لا عدلًا غير مقبول الشهادة مثلًا ، كما هو مقتضى التعريف ، وكون الشأن فيها كالشأن في الكريم إذا بخل ، والشجاع إذا جَبن يقتضي عدم ارتفاعها بذلك ، كما لا يرتفع الحكم بكونه شجاعاً وكريماً بعد حصول الملكة .
هامش
( 1 ) هذه مقاطع من خبر ابن أبي يعفور المتقدّم في ص 221 .
( 2 ) البحار 22 : 327 ، 332 ، ح 32 ، 44 .