نعم قد يقال : إنّ الشرط بقاء الصفّ لا كونهم مصلّين ، فيفصّل حينئذٍ بين قيام من انتهت صلاته وعدمه ، فيبقى الاقتداء في الأوّل دون الثاني ( 1 ) .
[ والفصل لعدم التكبير بعد التهيّؤ للجماعة غير مخلّ ، فللبعيد الإحرام قبل إحرام القريب ، فضلًا عن حال عدم العلم به ] .
شرح
( 1 ) كما هو خيرة المولى الأعظم في شرح المفاتيح « 1 » .
وربّما يؤيّده : عدم كون مثله تباعداً في العرف والعادة ، بل قد يؤيّده أيضاً : نصّ جماعة - كالشهيد في البيان والكاشاني في المفاتيح والمولى الأعظم في شرحها - على الصحّة « 2 » حيث يُحرم البعيد قبل القريب ، وما ذاك إلّا للاكتفاء بالصفّ وإن لم يكن مصلّياً فعلًا . وقد يخدش : بالفرق أوّلًا بين من يؤول أمره إلى الصلاة وهو متهيّئ لها ، وبين من فرغ منها وأعرض عنها وإن كان جالساً في مكانه . وبالمنع ثانياً كما أومئ إليه في المسالك والمدارك وغيرهما حيث قالا : « ينبغي أن لا يحرم البعيد قبل أن يحرم من قبله ممّن يزول معه التباعد » « 3 » . وإن كان قد يدفع الأخير :
1 - بعدم عدّ مثله من التباعد في العادة .
2 - وبأنّه ليس في النصوص والفتاوى ما يشهد له ، إنّما الذي فيها وجوب افتتاح المأمومين بعد افتتاح الإمام خاصّة قلّوا أو كثروا ، استطالت صفوفهم أو قصرت ، من غير مدخليّة للمأمومين في ذلك بعضهم مع بعض - كما هو لازم قولهما - عدا من كان متّصلًا بالإمام من الشخص والشخصين .
3 - مع ما فيه من التضييق والتشديد لإدراك الجماعة ، خصوصاً بالنسبة إلى بعض المأمومين الذين يتوقّفون في النيّة ، بل فيه من الإفضاء إلى عدم حضور القلب والتوجّه ما لا يخفى .
4 - على أنّه غالباً يتعذّر أو يتعسّر على المتأخّر العلم بحصول تكبيرة الافتتاح من بين التكبيرات من المتقدّم ، خصوصاً لو كان مجيئه للجماعة بعد اصطفاف الصفوف ، وتهيّئهم للصلاة وشروعهم في تصوّرها ونيّتها ، بل قد يفضي مراعاة ذلك إلى عدم إدراك أوّل ركعة في الجماعات المعظمة إلّا للقليل منها ، بل والركعة الثانية أيضاً ، بل ربّما تفوت الفريضة تماماً خصوصاً الثنائيّة أو الثلاثيّة ، وخصوصاً مع إرادة الإسراع فيها لسفر أو نحوه من الأعذار .
13 / 180 / 291
5 - إلى غير ذلك ممّا يمكن دعوى القطع بخلافه من السيرة المستمرّة في سائر الأعصار والأمصار وعظم الجماعات كجماعة النبيّ وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام ، وغلبة تخلّل الصفوف من لا يوثق بصحّة صلواتهم ، ومن أنّه لو كان كذلك لاشتهر روايةً وفتوى وعملًا اشتهار الشمس في رابعة النهار ؛ لتوفّر الدواعي وكثرة الاستعمال .
ولو أنّ هذا القائل اعتبر عدم العلم بسبق المتأخّر على المتقدّم لكان أسهل من اعتبار العلم بسبق المتقدّم ، وإن كان هو بعيداً أيضاً مخالفاً للسيرة المعلومة من أغلب الناس ، فإنّهم لا يتوقّفون في الائتمام بعد إحراز افتتاح الإمام ، خصوصاً بعد تهيئة الصفوف وشروعها في التوجّه والنيّة ونحو ذلك ، وإن كان الأحوط مراعاته بل مراعاة الأوّل أيضاً .
هامش
( 1 ) المصابيح 8 : 297 .
( 2 ) البيان : 235 . المفاتيح 1 : 161 . المصابيح 8 : 297 .
( 3 ) المسالك 1 : 307 . المدارك 4 : 322 - 323 .