تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
. . . . . . . . . .
شرح
بل قد يشهد لإرادة الاستحباب من الصحيح المزبور [ أي صحيح زرارة ] - زيادةً على ذلك - ما في ذيله أو صدره على اختلاف كيفيّة الرواية له « وينبغي . . . إلى آخره » ؛ لإشعار لفظ « ينبغي » به ، وظهور إرادة بيان ضدّ التواصل من قوله : « لا يكون » ، كظهور إرادة بيان ما يتخطّى من قوله : « تكون » « 1 » الثانية ، على معنى : أنّه إن كان بينهما ما لا يتخطّى فلا تواصل ، وإن كان بينهما ما يتخطّى كقدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد تحقّق التواصل . ومن المعلوم إرادة الاستحباب من الأخير ؛ ضرورة عدم تحقّق شيء من البعد فيه ، بل يكون سجوده عند عقب من تقدّمه ؛ إذ المراد قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد بين الموقفين ، وليس هو إلّا مقدار سجود الإنسان ، ومن الواضح اغتفار أزيد من ذلك عند من جعل المدار ما لا يتخطّى ؛ إذ لا يتصوّر في الفرض المزبور اغتفار ؛ لعدم إمكان تحقّق الجماعة بدونه . ومنه حينئذٍ ينقدح استحباب ما قبله من أنّه لا يكون بينهما ما لا يتخطّى ؛ إذ هو من قبيل البيان له ، وأنّه هو الذي يتخطّى ، وأنّه هو الذي يتحقّق به التواصل المطلوب في الجماعة بلفظ « ينبغي » ، كما أنّه من ذلك كلّه ينبغي إرادة الكراهة من قوله : « إن صلّى . . . إلى آخره » ، و « أيّ صفّ . . . إلى آخره » ؛ ضرورة شهادة الخبر بعضه على بعض . بل لو قلنا : إنّ قوله : « ينبغي . . . إلى آخره » ، رواية أخرى ليست من تتمّة الخبر المزبور - كما عساه يظهر من الحدائق « 2 » - أمكن الاستشهاد بها ؛ لأنّ كلامهم عليهم السلام بمنزلة كلام متكلّم واحد ، وإن كان الأوّل أقوى شهادة منه ، على أنّه قد يدّعى تعارف نحو « لا صلاة » في نفي الكمال على وجه الحقيقة ، لا أقلّ من الشهادة بذلك . بل قد يقال : إنّ المراد باشتراط أن لا يكون بين الصفّين مثلًا ما لا يتخطّى إنّما هو بين محلّ السجود من الصفّ الأوّل وبين الصفّ الثاني ، كما لعلّه يؤيّده إرادة التحديد بالنسبة إلى جميع أحوال الصفّ التي منها السجود لا حال القيام خاصّة ، وأنّ المراد بما لا يتخطّى : أي ما لا يمكن تخطيه أبداً بأعلى أفراد مصداق التخطّي ، وهو الذي يملأ الفُرَج ؛ لكونه نكرة واقعة في سياق النفي ، لا التخطّي المتعارف في المشي ؛ إذ مسقط جسد الإنسان إذا سجد أزيد منه قطعاً ، مع أنّه اكتفي به في بيان ما يتخطّى . وحينئذٍ يوافق المختار أو يقرب منه ؛ لتحقّق التباعد المعتاد في الجماعة به ، خصوصاً مع ملاحظة التقريب والمسامحة في التحديد المزبور لا التحقيق والمداقّة ، كما يومئ إليه التحديد بذلك من غير بيان المراد به من المتعارف وغيره ولا أفراد المتخطّين ، بل لعلّه يكون حينئذٍ شاهداً للمختار لا عليه ، بل يمكن تنزيل كلام من سمعت ممّن حدّد بما لا يتخطّى على ذلك ، فيرتفع الخلاف حينئذٍ من البين . ويؤيّده : أنّه لو كان المراد به غير ذلك لاشتهر غاية الاشتهار علماً وعملًا ؛ ضرورة استعمال الناس الجماعات من سالف الأزمنة إلى يومنا هذا ، مع أنّك قد عرفت ندرة من أفتى به ، ومعروفية الفتوى بخلافه بل والعمل . وبذلك كلّه يتّضح لك الوجه في صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدّم « 3 » بعد تسليم إرادة ما عرفت منه ، بل هو أولى بالحمل على الندب .
هامش
( 1 ) في الخبر بدلها : « يكون » . ( 2 ) الحدائق 11 : 106 . ( 3 ) تقدّم في ص 132 .