وأولى منه الحائل الذي يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع خاصّة لثقب في وسطه مثلًا ، أو حال القيام لثقب في أعلاه ، أو في حال الهويّ إلى السجود لثقب في أسفله . وليست الظلمة من الحائل قطعاً ، بل ولا الطريق ولا النهر ( 1 ) . لكن من المعلوم أنّ مرادنا عدم القدح من حيث النهرية والطريقيّة ، وإلّا فمع فرض تحقّق المنع من جهة أخرى - كعدم التخطّي إن قلنا باعتباره ، أو حصول التباعد السالب لاسم الجماعة ، أو غير ذلك - لا إشكال في القدح ( 2 ) . وكذا لا يندرج في الحائل الزجاج ونحوه ممّا يشاهد من خلفه ( 3 ) . نعم يندرج في الحائل الشخص ، فلو فرض حيلولة إنسان بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة بطلت الصلاة ، إلّا أن يكون هو مأموماً ( 4 ) . ولو فرض فساد صلاة الحائل اتّجه الفساد حينئذٍ ؛ لأنّه كالأجنبي ( 5 ) . ولو تجدّد الحائل في أثناء الصلاة ففي الصحّة وعدمها وجهان ، كما لو تجدّد رفعه بعد فرض دخول المصلّي بوجه صحيح كعمى أو عدم علم ونحوهما .
شرح
( 1 ) وفاقاً للأكثر كما في المنتهى ، بل المشهور كما في الذخيرة ؛ لمنع الشكّ في شمول الأدلّة لمثله ، واستصحاب الصحّة قبل اعتراض الطريق والنهر .
خلافاً للمحكيّ عن أبي الصلاح وابن زهرة في الأخير ، واستجوده في المدارك إن أرادا ما لا يتخطّى منه « 1 » ، وقد سمعت ما في الغنية والإشارة .
ولأبي حنيفة فيه وفي سابقه قياساً على الجسم الحائل « 2 » . وهو - على بطلانه - مع الفارق .
( 2 ) وظنّي أنّ ذلك مبنى الحلبي وأبي المكارم ؛ لما ستعرف أنّ مبناهما في المسألة الآتية تحديد البعد المانع من انعقاد الجماعة بما لا يتخطّى ، فما سمعته من المدارك لا يخلو من نظر فتأمّل جيّداً .
( 3 ) كما في كشف الأستاذ « 3 » ؛ لاعتبار المنع عن المشاهدة في الحائل في ظاهر النصّ وصريح الفتوى .
وفيه : منع كون مثله مشاهدة ، بل أقصاه ارتسام صورة الشيء فيه ، وهو غير المشاهدة حقيقة . اللهمّ إلّا أن يمنع ويدّعى خرق البصر له أو تقوّيه به ، فيشاهد من خلفه حقيقةً .
( 4 ) إذ مشاهدته حينئذٍ كافية ؛ لأنّه مشاهد الإمام ، وإلّا لبطلت صلاة الصف الثاني المحجوب بالصفّ الأوّل ، وهو واضح الفساد .
( 5 ) كما صرّح به في المسالك مقيّداً له بعلمه بفساد صلاته ، قال فيها : « ولا يقدح حيلولة بعض المأمومين إمامهم عن بعض مع مشاهدة المانع للإمام ، أو مشاهدة من يشاهده من المأمومين وإن تعدّدت الوسائط ، ويشترط عدم علم الممنوع من المشاهدة بفساد صلاة الحائل ، وإلّا بطلت صلاته أيضاً ؛ لأنّ المأموم حينئذٍ كالأجنبي » « 4 » انتهى .
لكن قد يناقش بظهور دليل الحائل في الفساد ولو مع عدم العلم حال الصلاة ، ولعلّه يريده بحمل النفي في كلامه على نفي عدم العلم أصلًا المتحقّق بالعلم بعد الصلاة . اللهمّ إلّا أن يدّعى خروج خصوص هذا الحائل .
هامش
( 1 ) المدارك 4 : 319 .
( 2 ) المبسوط ( للسرخسي ) 1 : 193 .
( 3 ) كشف الغطاء 3 : 314 .
( 4 ) المسالك 1 : 305 .