وقد مرّ سابقاً جواز قراءة القرآن أيضاً في الصلاة في بحث القراءة [ 1 ] .
كما أنّه مرّ في المباحث السابقة كثير من فروع هذه المسألة كالدعاء بغير العربيّة وبالملحون وغيرهما . ومرّ أيضاً أنّه لا يختصّ الجواز بالدعاء خاصّة أي الطلب ، بل يجوز أيضاً كلّ ذكر أفاد تسبيحاً أو تحميداً أو غيرهما [ 2 ] .
نعم ( لا يجوز أن يطلب شيئاً محرّماً ) في الصلاة وغيرها ( ولو فعل بطلت صلاته ) [ 3 ] .
ثمّ على البطلان لا فرق على الظاهر بين العالم والجاهل كما في سائر المبطلات .
بل وكذا لو جهل التحريم في أصل ما دعا به [ 4 ] .
نعم لو كان جهله بما لا يرجع إلى الحكم - كما لو ظنّ الكفر في شخصٍ فدعا عليه وكان مؤمناً - لم تبطل صلاته .
-
شرح
( 1 ) و [ قد مرّ ] ذكر النصوص الدالّة عليها .
( 2 ) كما أومأ إليه المصنّف ( و ) دلّت عليه الصحاح السابقة ، بل هو مقتضى الأصل المتقدّم أيضاً .
( 3 ) كما نصّ عليه غير واحد ؛ لصيرورته بالنهي عنه من كلام الآدميّين ، أو لما في التذكرة : « الدعاء المحرّم مبطل للصلاة إجماعاً ؛ لأنّه ليس بقرآن ولا دعاء مأمور به ، بل هو منهيّ عنه ، والنهي عنه يدلّ على الفساد » ( « 1 » ) ، وإن كان آخر كلامه لا يخلو من نظر ؛ ضرورة اقتضائه الفساد إذا تعلّق بالصلاة وإن كان المنهيّ عنه قبلها ، أمّا إذا كان كالنظر إلى الأجنبيّة المحرّم قبلها وبعدها وفيها لا نهي عنه بالخصوص فلا ، كما هو واضح . ومنه يعلم أنّ مقتضى الأصل السابق عدم بطلان الصلاة بذلك إن لم يثبت أنّه من كلام الآدميّين ، ولم يثبت إجماع على ذلك ؛ لأصالة الصحّة كما عرفت ، لا البطلان ، فعدم شمول نصوص أدلّة الجواز لمثله لا يقتضي البطلان حينئذٍ . اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ المراد بجواز الدعاء في الصلاة هو كونه جزءاً صلاتيّاً مندوباً كالقنوت ، فالنهي عن المحرّم منه نهي عن جزء الصلاة فتبطل للتشريع بفعل ما لا يصلح جزءاً . وفيه أوّلًا : أنّه لا يتأتّى في الذي لم يقصد به الجزئيّة . وثانياً : يمكن دعوى عدم إرادة الجزئيّة من ذلك ، ولذا عبّروا عنه بالجواز الظاهر في إرادة عدم مانعيّة الصلاة منه لا أنّه جزء منها . وقوله عليه السلام في النصوص السابقة : كلّ ما ناجيت فهو من الصلاة ( « 2 » ) محمول على إرادة التشبيه ونحوه . نعم قد يسلّم ذلك فيما ذكروا استحباب الدعاء فيه بالخصوص كالسجود والقنوت ونحوهما لا مطلق أحوال الصلاة ، كما يومئ إليه عدم عدّ أحد من الأصحاب ذلك من أجزائها المندوبة ، بل ذكروا أنّ ذلك ممّا يجوز فيها كالأفعال القليلة مثلًا في الصلاة .
وقد يشعر بعدم الجزئيّة أيضاً تقييدهم الجواز - أي جواز الدعاء في الصلاة - بما إذا لم يمح صورتها بطوله ، أو فوات الموالاة كما لو كان في أثناء القراءة ؛ إذ لو كان ذلك جزءاً صلاتيّاً لم يحصل محوٌ بشيء من ذلك ، بل هو كما إذا طوّل القنوت أو قرأ السور الطوال ؛ إذ المحو إنّما يحصل بفعل غير الصلاة فيها ، فتأمّل جيّداً .
( 4 ) كما نصّ عليه في المسالك ، قال فيها بعد أن نصّ على البطلان : « وجهل التحريم أو كون المحرّم مبطلًا للصلاة ليس عذراً » ( « 3 » ) .
هامش
( 1 ) التذكرة 3 : 285 .
( 2 ) انظر الوسائل 6 : 289 ، ب 19 من القنوت .
( 3 ) المسالك 1 : 232 .