. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً ، فإن تكلّمت ناسياً فلا شيء عليك ، فهو بمنزلة من تكلّم في الصلاة ناسياً ، قلت : وإن قلب وجهه عن القبلة ؟ قال : نعم وإن قلب وجهه عن القبلة » ( « 1 » ) .
وقال في الآخر : سمعت رجلًا يسأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل وجد غمزاً في بطنه أو أذىً أو عصراً من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة ، قال : فقال : « إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس أن يخرج لحاجته تلك ، فيتوضّأ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه الذي كان يصلّي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام ، قلت : وإن التفت يميناً وشمالًا أو ولّى عن القبلة ؟ قال : نعم كلّ ذلك واسع ، إنّما هو بمنزلة الرجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة ، فإنّما عليه أن يبني على صلاته ، ثمّ ذكر سهو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم » ( « 2 » ) . ضرورة أنّ هذا محلّ امتثال أمرهم عليهم السلام ( « 3 » ) بطرح الأخبار الشاذّة المخالفة للمعلوم من السنّة وللمشهور بين شيعتهم وخاصّتهم ، والموافقة لما في أيدي المخالفين الذين جعل اللَّه الرشد في خلافهم ؛ إذ المحكي عن الشافعي في القديم وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وداود الوضوء ثمّ البناء في صورة السبق ( « 4 » ) ، بل المحكي عن الشافعي منهم أنّ له إخراج الحدث بعد ذلك اختياراً ثمّ الوضوء والبناء ( « 5 » ) ؛ لأنّه حدث طرأ على حدث ، ولأنّه حدث واحد ، ولنحو ذلك من الأمور التي سببها القياس والاستحسان وبعض الأحاديث المفتراة . وقد لوّح الخبران المزبوران إلى إرادة التقيّة في ذلك : 1 - بذكر القياس فيهما ، مع أنّ المقيس عليه عندنا باطل ، كما تسمعه في محلّه . 2 - وبذكر سهو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . 3 - وبالأمر بالانصراف بنفس وجود الغمز ونحوه ممّا هو ليس حدثاً عندنا ، فلا يوجب وضوءاً . واحتمال إرادة قضاء الحاجة من الانصراف فيه - لشيوعه في ذلك ، ولشهادة الخبر الثاني - مستلزم لجواز فعل الحدث عمداً الذي هو باطل بالضرورة عندنا ، اللّهمّ إلّا أن يحمل على ما سمعته من الشافعي من جواز العمد للحدث بعد فرض السبق منه ، بناءً على إرادة الكناية من قوله فيه : « أذىً » و « ضرباناً » و « غمزاً » عن مفاجأة الحدث لذلك ، فأمر حينئذٍ بالانصراف وإتمام بقيّة الحدث ثمّ الوضوء والبناء نحو ما سمعته من الشافعي .
على أنّ في إطلاقهما نفي البأس عن الالتفات عن القبلة - المخالف للنصوص المفتى بها حتى ممّن نسب إليه الخلاف هنا كما قيل - شذوذاً آخر ، كحصرهما النقض بالكلام ، والأمر أو الرخصة بالرجوع إلى مصلّاه الذي قد يستلزم فعلًا كثيراً ، ومحواً للصورة ، والتفاتاً عن القبلة وغير ذلك ، مع أنّ الضرورة تقدّر بقدرها ، وكأنّه لذلك فرّقت بين التكلّم والانحراف عن القبلة ؛ لأنّ التطهير والبناء يستلزمه غالباً دون الكلام . إلى غير ذلك ممّا لا يليق بعده لمن له أدنى بصيرة في الفقه الركون إليهما ، خصوصاً وفي سند أحدهما محمّد بن سنان وموسى بن عمران ، وقد ضعّف الأوّل الأكثر ، والثاني مجهول . كما أنّه لا حاجة بعد ذلك إلى تأويلهما بما لا ينافي المختار ، وإن أتعب نفسه فيه الفاضل الأصبهاني في كشفه ( « 6 » ) ، مع أنّه يمكن القطع بعدم قبولهما له ، ولعلّه لبُعد احتمال التقيّة في المرويّ عن أبي جعفر عليه السلام منهما ؛ لأنّ القول بالبناء من العامّة إنّما حدث بعده ، لكن فيه منع ، وعلى تقديره فالطرح حينئذٍ لازم .
هامش
( 1 ) الوسائل 7 : 235 ، ب 1 من قواطع الصلاة ، ح 1 .
( 2 ) المصدر السابق : 237 ، ح 11 .
( 3 ) الوسائل 27 : 106 ، ب 9 من صفات القاضي ، ح 1 .
( 4 ) المجموع 4 : 75 ، 176 .
( 5 ) المجموع 4 : 75 .
( 6 ) كشف اللثام 4 : 157 - 158 .