تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
. . . . . . . . . . . . . . . . -
شرح
بل جميع هذه الأخبار محتملة - بعد حمل الجلوس قدر التشهّد فيها على التشهّد - لأن تكون سنداً للقائلين بندبيّة التسليم ، بل استظهره منها بعضهم ( « 1 » ) ، فتخرج حينئذٍ عن الاستدلال ، نعم يرجع للبحث عن أصل وجوب التسليم وقد أثبتناه . بل قد يقال : إنّ المقصود من قوله : « إن جلس . . . إلى آخره » في هذه الأخبار إرادة استنباط حال المصلّي هل فرغ من الصلاة ثمّ شرع في غيرها ولو بإتمامها ساهياً فلا تكون زيادة في الصلاة ، أو أنّها زيادة فيها ؟ فأراد معرفة حاله بهذا الطريق . ومن هنا ويمكن أن يقال بشيء ، وهو : لو رأى المصلّي نفسه أنّه في خامسة أو سادسة ، ولكن وقع له الشكّ في أنّه هل كان قد فرغ من الصلاة وأنّ هذه ابتداء صلاة جديدة ، أو أنّ هذه زيادة في الفريضة وقعت منه سهواً ؟ فإنّه قد يقال بالصحّة حينئذٍ : 1 - حملًا لما وقع من المسلم عليها [ / الصحة ] . 2 - بل قد يكون هذا الشكّ منه شكّاً في الشيء بعد دخوله في شيء آخر ، فلا يلتفت . 3 - بل يحتمل القول به لو رأى نفسه قائماً قبل تحقّق الركوع منه فيبني على الصحّة ؛ لما ذكرنا أيضاً ، ولا منافاة فيه لكلام الأصحاب ؛ إذ المراد منه أنّه بعد أن علم أنّه لم يقع منه تشهّد ولا تسليم ، لا ما ذكرنا . بل يمكن القول فيها بالصحّة أيضاً فيما لم يتنبّه المكلّف إلّا وهو في خامسة مع علمه بعدم وقوع التشهّد والتسليم منه ، لكنّه يحتمل أنّه نسيهما فابتدأ في صلاة جديدة وقلنا بصحّة الصلاة في مثله ، ويحتمل أنّ ذلك وقع منه زيادة في الصلاة ، فإنّ أصالة الصحّة تقضي بكون الواقع منه على الوجه الأوّل ؛ لأنّه هو الصحيح ، وإن كان الجزم بذلك لا يخلو من إشكال ، فتأمّل . ولعلّ خبر محمّد بن مسلم ( « 2 » ) الآتي منزّل على بعض ما ذكرناه ، وما فيه من التشهّد والتسليم في الأثناء لعلّه مبنيّ على جواز قضاء المنسي ولو في أثناء النافلة ؛ لكونه غير منافٍ لها ، فتأمّل جيّداً ، فإنّه لا يتمّ تنزيله على ذلك . وكيف كان فقد ظهر لك أنّ هذه الأخبار لا تصلح لأن تكون مقيّدة ؛ لإطلاق تلك الأخبار الصحيحة الموافقة للقواعد الشرعيّة ، المنجبرة بالشهرة المحصّلة والمنقولة وإجماع الغنية وغيره . هذا كلّه بناءً على وجوب التسليم ، وأمّا بناءً على ندبيّته فقد عرفت أنّ بعضهم استوجه الصحّة . وفيه : أنّه ينبغي اشتراطها بالتشهّد مع نسيان التسليم ، لا بالجلوس بمقداره وإن لم يتشهّد ؛ لأنّه حينئذٍ لم يفرغ أيضاً من الصلاة ؛ لعدم الاكتفاء بالجلوس ، والاكتفاء بذلك فيه يقضي بالاكتفاء بالجلوس أيضاً بقدر التسليم وإن لم يسلّم بناءً على وجوبه ، فلا ينبغي تخصيص الصحّة حينئذٍ بالندبيّة ، مع احتمال أن يقال - وإن كان بعيداً - : إنّا وإن قلنا بندبيّة التسليم وحصول التشهّد منه لكن نقول ببطلان الصلاة أيضاً ؛ لاشتراط الخروج حينئذٍ بنيّة الخروج مثلًا والإعراض عن الصلاة ونحو ذلك ، لا بتمام الأجزاء الواجبة ، وإلّا لم يكن معنى لندبيّة التسليم وجزئيّته ، بل لا بدّ حينئذٍ من القول بكونه خارجاً عن الصلاة مستحبّاً ، وهو بعيد ، فحينئذٍ يصدق عليه أنّه زاد في صلاته ركعة وإن قلنا بالاستحباب ، وبه يتمّ الفساد . ومن هنا تعرف أنّ بناء المسألة على الاستحباب أو الوجوب غير متّجه إلّا إذا قلنا بخروجه - على تقدير الاستحباب - عن الصلاة قهراً ، ويكون التسليم مستحبّاً خارجيّاً ، وإن كان هذا غير لازم لدعوى الاستحباب .
هامش
( 1 ) الذكرى 4 : 33 . ( 2 ) يأتي في ص 576 .