. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
ولا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا ليس رجوعاً إلى العرف في الأحكام الشرعيّة كي يقال : إنّه بمعزل عنها وليس هو من مداركها ، بل المراد أنّه يرجع إليه في حفظ الصورة المتلقّاة من الشرع التي علّق التكليف بها ، ففي الحقيقة إنّما رجع إليه في متعلّق الحكم الشرعي وموضوعه الذي هو وظيفته .
كما أنّه لا يخفى عليك عدم منافاة ذلك لكون الصلاة من محدثات الشرع ومخترعاته التي لا مجال للعرف في معرفتها بدون التوقيف ومعرفة الفعل الكثير فيها والقليل والمنافي وغير المنافي ؛ ضرورة أنّك قد عرفت كون المراد حفظ الصورة عند المتشرّعة المأمورين بها المتشاغلين في أدائها الذين وصلت إليهم أيضاً بالتوقيف .
ولعلّ كثيراً من المبطلات مستفاد من ذلك ، كرفع الصوت فيها زائداً على المتعارف ، وإطالة الذكر في أثنائها أو السكوت أو نحو ذلك .
ومنه أيضاً بعض الأفعال القليلة الماحية للصورة ، بمعنى أنّ المتشرّعة يحكمون بمنافاة مثلها للصلاة ، كالصفق لعباً أو الوثبة الفاحشة أو نحو ذلك ممّا أدخلوه تحت الفعل الكثير ؛ لوضوح البطلان به وعدم ذكر عنوان خاصّ له عند الأصحاب ، فالتجئوا إلى ذلك ، وقد عرفت ما فيه ، وأنّ كثيراً من الأمور لم يذكروها اعتماداً على معلوميّة وجوب المحافظة على الصورة المحفوظة عند المتشرّعة ، المعلوم - من هذه الجهة - ما ينافيها وما لا ينافيها عندهم ، فاكتفوا بذلك عن ذكرها بالخصوص .
فظهر لك حينئذٍ أنّ البطلان بالفعل الكثير إنّما هو من حيث تفويته للموالاة ، فلعلّ من علّله بالخروج عن كونه مصلّياً كالفاضلين ( « 1 » ) وغيرهما أراد ذلك ، كما أنّ الفاضل الأصبهاني أراد بما ذكره - من أنّ الفعل الكثير يبطل الصلاة عمداً لا سهواً إن لم يمح صورة الصلاة ، وفاقاً لإطلاق الأكثر . . . إلى آخره ( « 2 » ) - عدم المحو لصورة الصلاة وإن فاتت الموالاة وتحقّقت المنافاة عرفاً ؛ ضرورة كونها حينئذٍ كفوات الاستقبال والطهارة والطمأنينة ونحوها ممّا لا يذهب معه الصورة وإن كانت باطلة حتى على القول بالصحيحي ، لا أنّ المراد بعدم المحو عدم فوات الموالاة أيضاً فيدخل فيه الفعل الكثير الذي لا ينافي الموالاة ، وثبوت البطلان به محلّ منع ؛ إذ معقد الإجماع وإن كان مطلقاً في بعض المصنّفات لكن في المعتبر والمنتهى وغيرهما تعليله - بعد دعواه - بخروجه عن كونه مصلّياً ( « 3 » ) .
وقد صرّح غير واحد بأنّ المدار على محو الصورة ، كما أنّه صرّح به بعضهم في تفسير الكثرة ؛ حتى أنّه جعل الوثبة الفاحشة من الكثير لمحوها ، بخلاف حركة الأصابع ونحوها ( « 4 » ) .
وتصفّح كلماتهم أكبر شاهد على ما قلنا من أنّ المدار عندهم في البطلان بالفعل الكثير على المحو للصورة ولو بالمعنى الذي ذكرناه من تفويت الموالاة ، لا أنّه مانع لنفسه بالخصوص تعبّداً .
وكأنّ الذي ألجأ الأصبهاني إلى ما ذكره أنّه قوي في نظره التفصيل بين العمد والسهو في ذلك ( « 2 » ) ، فيبطل الكثير
هامش
( 1 ) المعتبر 2 : 255 . المنتهى 5 : 293 .
( 2 ) كشف اللثام 4 : 172 .
( 3 ) المعتبر 2 : 255 . المنتهى 5 : 293 .
( 4 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 71 - 72 .