و [ لكن ] : التحقيق أنّ البطلان بالفعل الكثير إنّما هو لفوات الموالاة بين الأفعال به [ 1 ] .
-
شرح
( 1 ) ولعلّه المراد بمحو الصورة ، المذكور في كلام غير واحد من الأصحاب ، بل هو مراد الفاضلين ومن تبعهما من الشهيدين وغيرهما فيما علّلوا البطلان به من أنّه يخرج المصلّي به عن كونه مصلّياً ( « 1 » ) ، وزاد في المحكيّ من المقاصد العليّة : « ويخيّل للناظر أنّه معرض عن الصلاة » ( « 2 » ) .
بل قيل : إنّه اقتصر على ذلك في الموجز الحاوي والميسيّة ، واستجوده في كشف الالتباس ، وحكاه في التذكرة عن بعض العامّة في تفسير الكثرة ( « 3 » ) . وهو مشعر بعدم رجوعه إلى الخروج عن الصلاة الذي علّل به أوّلًا .
ولعلّه كذلك ؛ ضرورة أعمّية تخيّل الناظر الإعراض من الخروج عن وصف الصلاة ؛ إذ قد يتخيّل الناظر الإعراض لغلبة خلوّ أحوال الصلاة عن بعض الأفعال في أثنائها من المشي ونحوه وإن كانت قليلة أو لغير ذلك . والمراد بالخروج : أن يكون في نفس الأمر خارجاً عن وصف الصلاة مع الاطّلاع على حاله ، لا أنّ الحكم بأنّه غير مصلٍّ لاشتباه من الحاكم في ذلك . ووجه البطلان حينئذٍ معه عدم تحقّق الامتثال معه . وإليه يرجع المحكي عن السرائر من أنّ « الكثير ما يسمّى في العادة كثيراً مثل الأكل والشرب واللبس وغير ذلك ممّا إذا فعله الإنسان لا يسمّى مصلّياً بل آكلًا وشارباً ، ولا يسمّى في العادة مصلّياً ، فهذا تحقيق الفعل الكثير الذي يفسد الصلاة ، ويورد في الكتب في التروك وقواطع الصلاة فليلحظ ذلك » ( « 4 » ) . قلت : يظهر منه أنّ المراد بالكثرة - التي يرجع فيها إلى العادة - ما أخرجت المصلّي عن كونه مصلّياً ، فلعلّ مراد جميع من صرّح بالرجوع في الكثرة إلى العادة ذلك أيضاً ، وهم الأكثر من أصحابنا ، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا في مقابلة الشافعية ، قال فيها : « لأنّ عادة الشرع ردّ الناس فيما لم ينصّ عليه إلى عرفهم » ( « 5 » ) ، لكن ربّما خدش ذلك بأنّه فرع تعليق الحكم في النص على الكثرة حتى يرجع فيها حينئذٍ إلى العرف والعادة ، وليس ، كما اعترف به غير واحدٍ ، ومن هنا جعل المدار في المدارك تبعاً لُاستاذه ( « 6 » ) في الكثرة على محو صورة الصلاة وعدمه ، قال فيها : « لم أقف على رواية تدلّ بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير ، لكن ينبغي أن يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكليّة ، كما هو ظاهر اختيار المصنّف في المعتبر ؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع الوفاق » ( « 7 » ) . قلت : لا يخفى عليك أنّ إرادة مطلق ما يحصل به المحو وإن قلّ من الكثرة موقوف على اصطلاح جديد ، والمعلوم عدمه . وما في المنتهى : « كلّما ثبت أنّهم عليهم السلام فعلوه أو أمروا به فهو من حيز القليل » ( « 8 » ) . وفي كشف اللثام : « رب كثير في العدد لا يسمّى في العرف كثيراً كتحريك الأصابع للعدّ أو غيره ، واحتمل الإبطال في التذكرة ، وربّ فعل واحد يحتمل عدّه كثيراً في العرف كالوثبة الفاحشة ، ولذا استشكل فيه في التذكرة ونهاية الإحكام » ( « 9 » ) . يجب صرفه إلى غير ذلك ، وإلّا كان محلّاً للنظر ؛ ضرورة عدم تفاوت صدق الكثرة والقلّة في هذه الأمور كلّها .
هامش
( 1 ) المعتبر 2 : 255 . المنتهى 5 : 293 . الذكرى 4 : 6 - 7 . الروض 2 : 888 .
( 2 ) المقاصد العليّة : 295 .
( 3 ) الموجز الحاوي ( الرسائل العشر ) : 85 . نقله عن الميسيّة في مفتاح الكرامة 3 : 24 . كشف الالتباس : الورقة 197 . التذكرة 3 : 289 .
( 4 ) السرائر 1 : 238 .
( 5 ) التذكرة 3 : 289 .
( 6 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 69 .
( 7 ) المدارك 3 : 466 .
( 8 ) المنتهى 5 : 294 .
( 9 ) كشف اللثام 4 : 174 .