. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
وهو منه عجيب ؛ ضرورة أنّ الشرع حكم بالصحّة في النصوص السابقة لا البطلان ، لكن ينبغي الاقتصار على الفصل بالصلاة خاصّة ؛ لعدم ثبوت اغتفار غيره .
وكيف كان فقد بان لك من ذلك كلّه أنّه لا محيص عن إرادة الفصل بالصلاة ثمّ البناء من القطع المزبور ، إلّا أنّ المعروف بين القائلين بالتخيير على الظاهر اختصاص ذلك بمن تلبّس فبان له ضيق وقت الإجزاء لا وقت الفضيلي ، ولا من علم الفوات قبل التلبّس ، فيبقى الأوّل على فعله ؛ لأنّ الفرض تخييره ، ولا يجوز للثاني أن يشرع .
وكأنّهم حملوا الخبرين المزبورين بقرينة قوله عليه السلام فيهما : « اقطع » ( « 1 » ) - على المتلبّس وعلى أنّ المراد وقت الإجزاء ، بقرينة صحيح محمّد بن مسلم وبريد ( « 2 » ) الذي اطلق فيه خوف فوات الوقت من غير إشعار بالفضيلي فيه ، فيظهر منه حينئذٍ وقت الإجزاء ؛ إذ هو الذي يخاف خروج الوقت بفواته ، ويكون المراد منه حينئذٍ : إن تخوّفت فابدأ بالفريضة إن لم تكن متلبّساً ، وإلّا فاقطع ، مضافاً إلى موافقة ذلك الاقتصار - فيما خالف بطلان الصلاة بمثل هذا الفصل - على المتيقّن ، وعلى محلّ الضرورة المفقودة في وقت الفضيلي ؛ إذ الفرض التخيير .
وفيه : مع ( « 3 » ) أنّ إرادة وقت الإجزاء من الصحيح المزبور لا يقتضي إرادته من غيره ، بل أقصاه اقتضاء إطلاق المفهوم عدم وجوب القطع ، وهو مسلّم ، ولو أريد عدم الجواز منه كان مقيّداً بغيره ، وهو ليس بأولى من حمل الوقت فيه على وقت الفضيلي بقرينة الخبرين المزبورين الظاهرين في إرادة الفضيلي كما عرفت ، خصوصاً بعد اعتضادهما بظاهر خبر الدعائم ( « 4 » ) . ولا استبعاد في المحافظة على فضيلة الوقت الذي هو رضوان اللَّه ( « 5 » ) ، وللمؤمن خير من ماله وولده ( « 6 » ) ، خصوصاً بعد أن لم يكن إبطالًا للعمل ، بل هو جمع بين حقّ العملين .
على أنّ عمدة ما في هذه النصوص من المخالفة هو عدم قدح مثل هذا الفصل ، والفرض التزامه في حال الضيق ، فمع التزامه لا داعي إلى مخالفة ظاهرها من ثبوت ذلك للفضيلي ، كما أنّه لا داعي إلى مخالفة ظاهرها من جواز تلبّسه بالفعل إلى حصول ما كان يخاف أوّلًا من فعله فوات الوقت ، فيقطع حينئذٍ ؛ إذ الفرض خوفه الفوات بالإتمام لا التلبّس كما هو واضح .
بل من تأمّل حقّ التأمّل علم أنّ النصوص هنا لوّحت بجواب أسئلتها إلى أنّه لا ينبغي الخوف على الفريضة بفعل صلاة الكسوف ؛ لعدم تعيّن الاتصال عليه بالتلبّس ، بل له الفصل بالفريضة إذا خشي الفوات ، فحينئذٍ يتلبّس إلى أن يصل إلى ما يخاف من فعله الفوات فيقطع ، فلا يكون قد أخلّ بالمبادرة إلى صلاة الكسوف الذي لم يعلم غالباً مقدار مكثه ، ولا فاتته فضيلة الوقت ، بل جمع بين الأمرين .
هامش
( 1 ) متقدّما في ص 360 .
( 2 ) تقدّم في ص 360 .
( 3 ) الظاهر زيادة هذه الكلمة .
( 4 ) تقدّم في ص 360 .
( 5 ) الوسائل 4 : 123 ، ب 3 من المواقيت ، ح 16 .
( 6 ) المصدر السابق : 122 ، ح 14 .