الظلمات والنور ، ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون ، لا نشرك باللَّه شيئاً ، ولا نتّخذ من دونه وليّاً ، والحمد للَّه الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وله الحمد في الدنيا والآخرة ، وهو الحكيم الخبير ، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وهو الرحيم الغفور ، كذلك اللَّه لا إله إلّا هو إليه المصير ، والحمد للَّه الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه ، إنّ اللَّه بالناس لرءوف رحيم ، اللّهمّ ارحمنا برحمتك وأعممنا بمغفرتك ، إنّك أنت العلي الكبير ، والحمد للَّه الذي لا مقنوط من رحمته ، ولا مخلوّ من نعمته ، ولا مؤيس من روحه ، ولا مستنكف من عبادته ، الذي بكلمته قامت السماوات السبع ، واستقرّت الأرض المهاد ، وثبتت الجبال الرواسي ، وجرت الرياح اللواقح ، وسار في جوّ السماء السحاب ، وقامت على حدودها البحار ، وهو إله لها ، وقاهر يذلّ له المتعزّزون ، ويتضاءل له المتكبّرون ، ويدين له طوعاً وكرهاً العالمون ، نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله ، ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له ، يعلم ما تخفي النفوس ، وما تجنّ البحار ، وما توارى منه ظلمة ، ولا تغيب عنه غائبة ، وما تسقط ورقة من شجرة ولا حبّة في ظلمة إلّا يعلمها ، لا إله إلّا هو ، ولا رطب ولا يابس إلّا في كتابٍ مبين ، ويعلم ما يعمل العاملون ، وأيّ مجرى يجرون ، وإلى أيّ منقلب ينقلبون ، ونستهدي اللَّه بالهدى ، ونشهد أنّ محمّداً عبده ونبيّه ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه ، وأنّه قد بلّغ رسالات ربّه ، وجاهد في اللَّه الحائدين عنه العادلين به ، وعبد اللَّه حتى أتاه اليقين صلّى اللَّه على محمّد وآله ، أوصيكم بتقوى اللَّه الذي لا تبرح منه نعمة ولا تنفد منه رحمة ، ولا يستغني العباد عنه ، ولا يجزي أنعمه الأعمال ، الذي رغّب في التقوى ، وزهّد في الدنيا ، وحذّر المعاصي ، وتعزّز بالبقاء ، وذلّل خلقه بالموت والفناء ، والموت غاية المخلوقين ، وسبيل العالمين ، ومعقود بنواصي الباقين ، ولا يعجزه إباق الهاربين ، وعند حلوله يأسر أهل الهوى ، يهدم كلّ لذّة ، ويزيل كلّ نعمة ، ويقطع كلّ بهجة ، والدنيا دار كتب اللَّه لها الفناء ولأهلها منها الجلاء فأكثرهم ينوي بقاءها ، ويعظم بناءها ، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب ، والتبست بقلب الناظر ، وتضنّى ( « 1 » ) ذو الثروة الضعيف ، ويحتويها ( « 2 » ) الخائف الوجل ، فارتحلوا منها يرحمكم اللَّه بأحسن ما بحضرتكم ، ولا تطلبوا منها أكثر من القليل ، ولا تسألوا منها فوق الكفاف ، وارضوا منها باليسير ، ولا تمدّن أعينكم منها إلى ما متّع المترفون به ، واستهينوا بها ولا توطنوها ، وأضروا بأنفسكم منها ، وإيّاكم والتنعّم والتلهّي والفاكهات ، فإنّ في ذلك غفلة واغترار ، ألا أنّ الدنيا قد تنكّرت وأدبرت واحلولت وآذنت بوداع ، ألا وأنّ الآخرة قد رحلت فأقبلت وأشرفت وآذنت باطلاع ، ألا وإنّ المضمار اليوم والسباق غداً ، ألا وإنّ السبقة الجنّة والغاية النار ، ألا فلا تائب من خطيئة قبل يوم منيّته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه وفقره ، جعلنا اللَّه وإيّاكم ممّن يخافه ويرجو ثوابه ، ألا إنّ هذا اليوم يوم جعله اللَّه لكم عيداً ، وجعلكم له أهلًا ، فاذكروا اللَّه يذكركم ، وادعوه يستجب لكم ، وأدّوا فطرتكم فإنّها سنّة نبيّكم ، وفريضة واجبة من ربّكم ، فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن نفسه وعن عياله كلّهم ذكرهم وانثاهم وصغيرهم وكبيرهم وحُرّهم ومملوكهم عن كلّ إنسان منهم صاعاً من برّ ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، وأطيعوا اللَّه فيما فرض عليكم وأمركم به من إقام الصلاة ، وإيتاء
هامش
( 1 ) في المصدر : « ويضنّ » .
( 2 ) في المصدر : « ويجتويها » .