وعلى كلّ حال فالمراد به التعريض بما في أيدي القوم [ 1 ] .
-
شرح
( 1 ) وأمّا تسميته ثانياً في جملة من العبارات ، فعن السرائر والمهذّب البارع والمقتصر والتنقيح وظاهر المختلف ( « 1 » ) باعتبار أنّه يُفعل بعد نزول الإمام عن المنبر ، قال في الأوّل : « ثمّ ينزل الإمام عن المنبر بعد فراغه من إكمال الخطبتين ويبتدئ المؤذّن الذي بين يديه بالإقامة ، وينادي باقي المؤذّنين والمكبّرين : الصلاة الصلاة ، ولا يجوز الأذان بعد نزوله مضافاً إلى الأذان الأوّل الذي عند الزوال ، فهذا هو الأذان المنهي عنه ، ويسمّيه بعض أصحابنا الأذان الثالث ، وسمّاه ثالثاً لانضمام الإقامة إليهما ، فكأنّها أذان آخر » ( « 2 » ) ، واستغربه في البيان وبعض ( « 2 » ) من تأخّر عنه ، فقال : « اختلفوا في وقت الأذان فالمشهور أنّه حال جلوس الإمام على المنبر ، وقال أبو الصلاح : قبل الصعود ، وكلاهما مرويّان ، فلو جمع بينهما أمكن نسبة البدعة إلى الثاني زماناً وإلى غير الشرعي فينزّل على القولين » قال : « وزعم ابن إدريس أنّ المنهيّ عنه هو الأذان بعد نزول الخطيب مضافاً إلى الإقامة ، وهو غريب » قال : « وليقم المؤذّن الذي بين يدي الإمام ، وباقي المؤذّنين ينادون الصلاة ، وهو أغرب » ( « 4 » ) . وفي الذكرى : « ينبغي أن يكون أذان المؤذّن بعد صعود الإمام على المنبر والإمام جالس ؛ لقول [ الصادق عليه السلام عن ] الباقر عليه السلام فيما رواه عبد اللّه بن ميمون : كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذّنون ( « 5 » ) ، وبه أفتى ابن الجنيد وابن أبي عقيل والأكثر ، وقال أبو الصلاح : إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالأذان ، وإذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب ، ورواه محمّد بن مسلم ، قال : سألته عن الجمعة ؟ فقال : « أذان وإقامة ، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد على المنبر » ( « 6 » ) ، ويتفرّع على الخلاف أنّ الأذان الثاني - الموصوف بالبدعة أو الكراهة - ما هو ، وابن إدريس يقول : الأذان المنهيّ عنه هو الأذان بعد نزوله مضافاً إلى الأذان عند الزوال » ( « 7 » ) . وفي كشف اللثام : « يعني أنّ الأذان المشروع للجمعة إمّا قبل صعود الإمام المنبر أو بعده عند جلوسه عليه ، فالجمع بينهما بدعة أو مكروه ، وعلى الأوّل فالبدعة أو المكروه الثاني ، وعلى الثاني الأوّل ، ويسمّى ثانياً لحدوثه بعد الثاني » ( « 4 » ) . قلت : لا ريب أنّ التوقيت المزبور للأذان بما سمعت إنّما هو مستحبّ في مستحبّ ، ومقتضى الجمع بين الخبرين حصول الوظيفة بكلٍّ من الحالين ، وإن كان قد يرجح ما رواه عبد اللّه بن ميمون بقرب اتّصاله بالصلاة ، وبأنّه المشهور نقلًا إن لم يكن تحصيلًا ، بخلاف قول أبي الصلاح ، وإن قيل : إنّه ظاهر الغنية ، بل ظاهرها الإجماع عليه . وعلى كلّ حال فلو حصل في غيرهما كان مشروعاً أيضاً وإن كان هو خلاف الأفضل .
وحينئذٍ فدعوى أنّ المراد بالثاني باعتبار الإحداث - وإلّا فهو ما لم يكن بين يدي الخطيب سواءً وقع أوّلًا أو ثانياً بالزمان - واضحة الضعف ؛ لما عرفت من أنّ كيفيّة الأذان الواقع في عهده صلى الله عليه وآله وسلم غير شرط في شرعيّته قطعاً ، بل إجماعاً حكاه ثاني المحقّقين ، قال :
« إذ لو وقع بعد ( « 9 » ) صعود الخطيب أو لم يصعد منبراً بل خطب على الأرض لم يخرج بذلك عن الشرعيّة ، فإذا فعل ثانياً كان هو المحدث » ( « 10 » ) . وقال أيضاً : « ويعرف أنّه المحدث من ظاهر الحال ، وانضمام القرائن المستفادة من تتالي الأعصار التي شهدت بأنّ هذا هو المحدث في زمن عثمان أو معاوية ، حتى أنّه لو حاول أحد تركه قابلوه بالإنكار والمنع ، والاعتبار ( « 9 » ) بتخصيص يوم الجمعة بأذان آخر من دون سائر الأيّام على تطاول المدّة من الأمور الدالّة على ذلك ، وما هذا شأنه لا يكون إلّا بدعة » ( « 10 » ) .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 295 . المهذّب البارع 1 : 410 . المقتصر : 80 . التنقيح 1 : 229 . المختلف 2 : 242 .
( 2 ) السرائر 1 : 295 . المدارك 4 : 76 .
( 4 ) البيان : 192 . كشف اللثام 4 : 290 .
( 5 ) الوسائل 7 : 349 ، ب 28 من صلاة الجمعة ، ح 2 .
( 6 ) الوسائل 7 : 343 ، ب 25 من صلاة الجمعة ، ح 3 .
( 7 ) الذكرى 4 : 143 - 144 .
( 9 ) في المصدر : « قبل » ، « الاعتناء » .
( 10 ) جامع المقاصد 2 : 425 - 426 .