ولا ريب أنّ الأوّل أحوط إن لم يكن أقوى ، خصوصاً في الوعظ ، إلّا أنّ الظاهر كون وجوبه مقدّمة للسماع لا تعبّداً لنفسه . فلو فرض حصوله له بلا إصغاء لم يكن عليه إثم . كما أنّ الظاهر وجوب ذلك للواجب من الخطبة خاصّة [ 1 ] . [ ولا بأس بالقول بندب الإصغاء ] . وكذا الظاهر اختصاص الوجوب بالقريب السامع ، أمّا البعيد والأصمّ فإن شاءا سكتا ، وإن شاءا قرءا ، وإن شاءا ذكرا [ 2 ] .
-
شرح
( 1 ) للأصل ، وعدم زيادة السماع على القول وإن كان لا مانع منه ، إلّا أنّه لا مقتضي له إلّا ظواهر من النصوص والفتاوى لا وثوق بإرادة الوجوب منها ، ولا جابر لها بالنسبة إلى ذلك سنداً ودلالةً . فما في مصابيح الظلام من أنّ « الظاهر وجوب الإصغاء وحرمة الكلام من أوّل الخطبة إلى آخرها ، لا في أقلّ الواجب من الخطبة خاصّة كما هو ظاهر الروايات » ( « 1 » ) لا يخلو من نظر ، وإن قيل :
إنّه مع ذلك ظاهر الأصحاب ( « 2 » ) ، وبه صرّح في المبسوط فقال : « وموضع الإنصات من وقت أخذ الإمام في الخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة » ( « 3 » ) ؛ إذ يمكن منع ظهور كلام الأصحاب في ذلك ، خصوصاً مع قولهم بعدم وجوب إسماع غير الواجب من الخطبة . والشيخ في المبسوط ممّن يقول بندب الإصغاء ، ولا بأس به حينئذٍ .
( 2 ) نعم عن المنتهى : « هل الإنصات - يعني إنصات البعيد - أفضل أم الذكر ؟ فيه نظر » ( « 4 » ) ، بل عن نهاية الإحكام احتمال وجوب الإنصات عليهما ( « 5 » ) ؛ لئلّا يرتفع اللفظ فيمنع غيرهما السماع . لكنّه كما ترى - بعد تسليم وجوب ذلك عليهما لذلك - خروج عن محلّ النزاع ، فلا ريب في عدم الوجوب المبحوث فيه عليهما . بل في التذكرة : « أنّ الأقرب وجوب الإصغاء على العدد خاصّة » ثمّ قال : « والأقرب حرمة الكلام إن لم يسمع العدد ، وإلّا فالكراهيّة » ( « 6 » ) . لكن قال أيضاً :
« التحريم - إن قلنا به على السامعين - يتعلّق بالعدد ، وأمّا الزائد فلا ، وللشافعي قولان ، والأقرب عموم التحريم إن قلنا به ؛ إذ لو حضر فوق العدد بصفة الكمال لم يمكن القول بانعقادها بعدد معيّن منهم حتى يحرم الكلام عليهم خاصّة » ( « 6 » ) نحو ما عن المختلف وإرشاد الجعفريّة ومصابيح الظلام : « لا تخصيص لأحد بكونه من الخمسة دون غيره » ( « 8 » ) . إلّا أنّه ناقشه في كشف اللثام بأنّه لا ينفي كفائيّة الوجوب ( « 9 » ) . وهو كذلك لو كان ظاهر الأدلّة الوجوب على العدد خاصة . وفي جامع المقاصد : « فإن قيل : وجوب الإصغاء وتحريم الكلام إمّا بالنسبة إلى جميع المصلّين فلا وجه له ؛ لأنّ استماع الخطبة يكفي فيه العدد ، ولهذا لو انفردوا أجزءوا ، أو البعض وهو باطل ؛ إذ لا ترجيح ، قلنا : الوجوب على الجميع لعدم الأولويّة ، ويكفي العدد في الصحّة ، فلا محذور » ( « 10 » ) . وظاهره اختصاص الشرطي خاصّة بالعدد ، وتبعه عليه ثاني الشهيدين في المحكيّ عن روضته ومسالكه ( « 11 » ) . وفيه : أوّلًا : أنّ الإجماع في التحرير والمحكيّ عن النهاية على عدم البطلان بالكلام ( « 12 » ) ، بل ظاهر الأوّل أنّ الإصغاء كذلك أيضاً ، قال : « قيل : الإصغاء واجب والكلام حرام ، وعندي فيه إشكال ، لكن لا تبطل الجمعة معه إجماعاً » . وثانياً : أنّه ليس في الأدلّة ما يشهد للتفصيل المزبور ، ومجرّد إمكانه لا يصلح مدركاً للقول به .
هامش
( 1 ) المصابيح 2 : 80 .
( 2 ) مفتاح الكرامة 3 : 124 .
( 3 ) المبسوط 1 : 148 .
( 4 ) المنتهى 5 : 431 .
( 5 ) نهاية الإحكام 2 : 38 .
( 6 ) التذكرة 4 : 76 ، 79 .
( 8 ) المختلف 2 : 216 . نقله عن الجعفريّة في مفتاح الكرامة 3 : 123 . المصابيح 2 : 80 .
( 9 ) كشف اللثام 4 : 260 .
( 10 ) جامع المقاصد 2 : 402 .
( 11 ) الروض 2 : 787 . المسالك 1 : 244 .
( 12 ) التحرير 1 : 276 - 277 . نهاية الإحكام 2 : 38 - 39 .