ثمّ الظاهر أنّ اعتبار الزوال [ 1 ] في الحرمة إنّما هو بالنسبة إلى من يجب عليه السعي قبله كالحاضر في محلّها ، أمّا من كان بعيداً عنها بفرسخين فما دون بحيث لا يمكنه الوصول إليها إلّا [ إذا خرج ] قبل الزوال فإنّه يجب عليه السعي مثله إليها قطعاً .
وحينئذٍ فالظاهر حرمة السفر وغيره ممّا يمنع فعلها عليه أيضاً قبله ، إلّا أنّ الظاهر اختصاص ذلك في وقت الضيق ؛ لعدم الوجوب قبله ، فلا بأس بالسفر وغيره فيه [ 2 ] .
-
شرح
( 1 ) [ كما ] في المتن وغيره .
( 2 ) لكن في المدارك : أنّه « لو قيل باختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال ، وأنّ وجوب السعي إلى الجمعة قبله للبعيد ( « 1 » ) إنّما يثبت مع عدم إنشاء المكلّف سفراً مسقطاً للوجوب لم يكن بعيداً من الصواب » ( « 2 » ) .
وفيه : أنّ ما دلّ على وجوب السعي عامّ ومقدّم على إنشاء السفر ، فيستصحب حتى يثبت خلافه ، وهو السقوط ، ولم يُعلم ؛ إذ على تقدير تسليم عموم يشمل الفرد النادر يمكن أن يقال : إنّ الخاصّ مقدّم عليه ، كما أنّ تعليق الأمر بالسعي على النداء في الآية ( « 3 » ) لا يراد منه نفي الوجوب عن محلّ الفرض قطعاً .
ومن ذلك كلّه يظهر لك ما في الذكرى قال : « لو كان بين يدي المسافر جمعة أخرى يعلم إدراكها ففي جواز السفر بعد الزوال وانتفاء كراهته قبله نظر ، من إطلاق النهي وأنّه مخاطب بهذه الجمعة ، ومن حصول الغرض . ويحتمل أن يقال : إن كانت الجمعة في محلّ الترخّص لم يجز ؛ لأنّ فيه إسقاطاً لوجوب الجمعة وحضورها فيما بعد تجديد للوجوب ، إلّا أن يقال : يتعيّن عليه الحضور وإن كان مسافراً ؛ لأنّ إباحة سفره مشروطة بفعل الجمعة ، ومثله لو كان بعيداً بفرسخين فما دون عن الجمعة فخرج مسافراً في صوب الجمعة ، فإنّه يمكن أن يقال : يجب عليه الحضور عيناً وإن صار في محلّ الترخّص ؛ لأنّه لولاه لحرم عليه السفر ، ويلزم من هذين تخصيص قاعدة عدم الوجوب العيني على المسافر . ويحتمل عدم كون هذا القدر محسوباً من المسافة ؛ لوجوب قطعه على كلّ تقدير إمّا عيناً كما في هذه الصورة ، أو تخييراً كما في الصورة الأولى ، ويجري مجرى الملك في أثناء المسافة ، ويلزم من هذا خروج قطعة من السفر عن اسمه بغير موجب مشهور . وإن كانت قبل محلّ الترخّص - كموضع يرى الجدار أو يسمع الأذان - إن أمكن هذا الفرض جاز » ( « 4 » ) .
قلت : إمكانه واضح فيما إذا كان السفر على جهة الجمعة ، ولا ينبغي الشكّ في الجواز في مثله ؛ لعدم صدق السفر - ولو شرعاً - قبل قطعه . نعم يصعب فرضه فيما إذا كان السفر من جمعة إلى أخرى .
وعلى كلّ حال فلا ريب في الجواز ، أمّا إذا كانت خارجة عنه فالبحث السابق آتٍ في المقام ؛ إذ لا فرق بين كون السفر إلى جهة جمعة أو من جمعة إلى أخرى ؛ إذ المراد إمكان تحصيل الجمعة في سفره كما هو واضح ، وقد عرفت إمكان كونه ليس من التخصيص على تقدير الوجوب ، أو أنّه لا بأس به . وأمّا احتمال عدم عدّه من المسافة ، فلا ريب في ضعفه ؛ ضرورة أنّ الوجوب عليه لا ينافي ذلك وإن تكلّف له الأستاذ الأكبر في شرحه ( « 5 » ) .
هامش
( 1 ) في المصدر : « للتعبّد » .
( 2 ) المدارك 4 : 62 .
( 3 ) الجمعة : 9 .
( 4 ) الذكرى 4 : 115 .
( 5 ) المصابيح 2 : 122 .