. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
من الأمور الأربعة منتفية بالإجماع ، على أنّ العبادة لا تكون متساوية الطرفين ، وكذا الكراهة ، بمعنى مرجوحيّة أحد الطرفين مطلقاً من غير منع من النقيض ، فبقي من مدلول هذا الأصل الوجوب والاستحباب فالثابت منهما أحدهما ؛ لأنّ الاستحباب أيضاً منتفٍ بالإجماع على أنّها لا تقع مستحبّة بالمعنى المتعارف ، بل متى شرّعت وجبت ، فانحصر أمر الجواز في الوجوب ، وهو المطلوب » ( « 1 » ) .
وهو من غرائب الكلام يقبح بالإنسان التصدّي لبيان بطلانه ، بل هذا منه ممّا يؤيّد ما ذكرنا من وقوع هذه الرسالة منه في صغر سنّه .
وأوضح منه تأييداً ما ذكره فيها أيضاً من الاستدلال « بأنّ القول بالوجوب على هذا الوجه قول أكثر المسلمين ، لا يخرج منه إلّا الشاذّ النادر من أصحابنا على وجه لا يقدح في تحقّق دعوى كونه إجماعاً أو يكاد ، فإنّ جملة مذاهب المسلمين ممّن يخالفنا يقول بذلك ، أمّا غير الحنفيّة فظاهر ؛ لأنّهم لا يعتبرون في وجوبها إذن الإمام ، وأمّا الحنفيّة فإنّهم وإن شرطوا إذنه لكنّهم يقولون :
إنّه مع تعذّرها يسقط اعتبارها » ( « 2 » ) .
وهذا أغرب من سابقه ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العلي العظيم وإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون من هذه المصيبة العظيمة .
ولقد وقفت على جملة من الرسائل المصنّفة في المسألة نسجوا فيها على منوال هذه الرسالة ، وقد أكثروا فيها من السبّ والشتم ، خصوصاً رسالة الكاشاني التي سمّاها بالشهاب الثاقب ورجوم الشياطين . ولولا أنّه آية في كتاب اللَّه لقابلناه بمثله .
لكن لا يبعد أن تكون هذه الرسالة وما شابهها من كتب الضلال التي يجب إتلافها .
اللّهمّ إلّا أن يرجّح بقاءها أنّها أشنع شيء على مصنّفيها ؛ لما فيها من مخالفة الواقع في النقل وغيره ، بل فيها ما يدلّ على أنّهم ليسوا من أهل العلم كي يعتدّ بكلامهم ويعتنى بشأنهم . ولو أنّ الشهيد يعلم وقوع هذه البلوى ما احتمل الوجوب في الذكرى معترفاً بأنّ عمل الطائفة على خلافه ( « 3 » ) .
ومن ذلك ينبغي أن يترك الإنسان ذكر بعض الاحتمالات في المسائل القطعيّة ولو معلِّقاً له على فقد القاطع ، فإنّه ربّما كان ضلالًا لغيره .
ونسأل اللَّه تعالى أن يكون ما صدر من هؤلاء - من شدّة المبالغة في الوجوب ، حتى حكي عن بعضهم أنّه لا يحتاط في فعل الظهر ( « 4 » ) معها - ناشئاً من حبّ الرئاسة والسلطنة والوظائف التي تجعل له في بلاد العجم .
وإن كان قد يومئ إليه أنّ أكثر الذاهبين إلى ذلك من أهل هذه النواحي ، ولقد قيل : إنّ بعضهم كان يبالغ في حرمتها حال قصور يده ، ولما ظهرت له كلمة بالغ في وجوبها ( « 5 » ) ، بل يحكى عنهم أشياء كثيرة في أمثال ذلك ، منها أنّه قد ورد علينا في أيّام كتابة
هامش
( 1 ) صلاة الجمعة ( رسائل الشهيد الثاني ) 1 : 191 .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) الذكرى 4 : 105 .
( 4 ) حكاه في المصابيح 1 : 395 .
( 5 ) المصابيح 1 : 395 .