تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
كما أنّ المتّجه أيضاً مراعاة التعدّد مع فرض : الاحتياج إليه [ 1 ] . قلت : الذي يظهر بعد التأمّل أنّ محلّ البحث [ في ارتزاق المؤذّن هو ] الأذان الإعلامي لا الصلاتي [ 2 ] . ومثله [ / الأذان الصلاتي ] البحث في الإقامة ، بل أولى منه بعدم الجواز مطلقاً [ 3 ] . أمّا أذان الإعلام الذي هو مستحبّ كفائي [ 4 ] فتحرم الإجارة عليه ، ولا حرمة فيه -
شرح
( 1 ) وفي المحكي عن نهاية الإحكام : « لو تعدّدت المساجد ولم يمكن جمع الناس في واحد رُزق عدد من المؤذّنين يحصل بهم الكفاية ويتأدّى الشعار ، ولو أمكن احتمل الاقتصار على رزق واحد نظراً لبيت المال ، ورزق الكلّ لئلّا يتعطّل المساجد » ( « 1 » ) . ( 2 ) الذي ظاهر الأدلّة كون الخطاب به كخطاب الصلاة وقنوتها وتعقيبها يراد منه المباشرة من المكلّفين . والاجتزاء بأذان الغير لصلاته في بعض الأحوال بشرط السماع مثلًا لا يلزم منه جواز النيابة التي تقتضي - على فرض الصحّة - الاكتفاء بما يفعله الغير وإن لم يكن لصلاةٍ ولم يسمعه المصلّي كما في غيره ممّا تصحّ النيابة فيه ، ويكون بها فعل النائب فعل المنوب عنه ، وشرع ذلك هنا بعيد عن الأدلّة ، من غير فرق بين أذان الجماعة والمنفرد . وإن قلنا : إنّ المخاطب بأذان [ الجماعة ] الأولى إمامها ؛ لأنّ المأمومين يصلّون بصلاته ، وفعل الغير حينئذ يسقط عنه إذا كان جامعاً للشرائط من السماع ونحوه ؛ ضرورة عدم التلازم بين جواز ذلك والنيابة كما عرفت . وقاعدة جواز الإجارة في كلّ ما جاز التبرّع فيه مقطوعة هنا ؛ بظهور الأدلّة في المباشرة أو السماع على الوجه المخصوص دون النيابة الأجنبيّة عن ذلك عند التأمّل ، بل لعلّ التبرّع المستلزم لجواز الإجارة غير جائز هنا أيضاً ؛ إذ الجائز هنا فعل الغير على وجه مخصوص بأن يكون مسموعاً للإمام ، وأن يكون لصلاة ونحو ذلك ، فتأمّل . ( 3 ) لا لأنّه لا كلفة فيها بمراعاة الوقت بخلاف الأذان كما وقع من الفاضل في المحكي عن نهايته ( « 2 » ) ، كي يرد عليه أنّه لا يعتبر في العمل المستأجر عليه وجود الكلفة فيه ، بل لما عرفت من ظهور الأدلّة في إرادة المباشرة وأنّها كخطاب الصلاة . ( 4 ) فلا ريب في عدم ظهور الأدلّة في اعتبار المباشرة فيه على وجهٍ ينافي الإجارة ، بل هي إن لم تكن ظاهرة في عدم ذلك فلا أقلّ من أن تكون خالية عن التعرّض له ، فيبقى عموم الإجارة بحاله ؛ إذ هو من الأفعال السائغة المترتّب عليها نفع وليس بواجب على المكلّف فعله . وندب الناس إلى فعله لا ينافي جواز إعطاء العوض عليه بعد فرض عدم انحصار نفعه في الثواب للفاعل كي يجمع بين العوض والمعوّض عنه . والحاصل : أنّ المندوب إمّا أن يشترط في صحّته القربة أو لا ، بل هي شرط في ثوابه ، فإن كان الثاني ولم يلاحظ المكلّف فيه القربة وكان فيه نفع تصلح المعاوضة عليه جازت الإجارة عليه بلا إشكال ، بل لا بأس بملاحظة القربة مع ذلك ؛ لعدم منافاة الإجارة لها ، بل هي مؤكّدة لها إذا راعى التقرّب إلى اللَّه تعالى من حيث الوفاء بالإجارة مع امتثال أمر الندب ، بل وكذا الكلام في الأوّل . أمّا إذا كان لا نفع فيه إلّا الثواب فإن ظهر من الأدلّة عدم حصوله إلّا بالمباشرة لم تجز الإجارة عليه ولا النيابة فيه تبرّعاً ومع الإذن ، وإلّا جاز الجميع عملًا بعموم أدلّة كلٍّ منها . ولا يعارضه ظهور الأمر في المخاطب بعد أن كان ظهور موردٍ لا قيدٍ ، فهو كخطاب « بع » و « صالح » ونحوهما الذي جازت الوكالة فيه والاستئجار عليه ، وبه ينقطع أصالة عدم مشروعية الفعل وعدم ترتّب الثواب وانتقاله لغير الفاعل . فأذان الإعلام حينئذٍ - بعد أن عرفت حصول نفع فيه غير الثواب ، وعدم اعتبار النيّة فيه - لم يكن إشكال في جواز الإجارة عليه بل والنيابة فيه مع قصد الثواب فيه ، فتأمّل جيّداً ، فإنّه دقيق نافع ، لكن خرج عن ذلك كلّه بالأدلّة السابقة .
هامش
( 1 ) نهاية الإحكام 1 : 427 . ( 2 ) المصدر السابق : 428 .