[ والمدار على العرف في صدق تفرّق الجماعة وعدمه ، فيحصل بانصراف الأكثر مثلًا ، بل بمجرّد سيلان الجماعة في الأزقّة من غير ملاحظة الأقل والأكثر ] [ 1 ] .
-
شرح
( 1 ) إنّما البحث في أنّ المدار على تفرّق الجميع بحيث يبقى السقوط مع بقاء الواحد ، أو على بقاء الجميع بحيث إذا مضى واحد يسقط السقوط ، أو على الأكثر تفرّقاً وبقاءً بمعنى تحقّق السقوط مع بقائهم ، وعدمه مع تفرّقهم ، أو على العرف في صدق التفرّق وعدمه من غير ملاحظة شيء من ذلك ؟ أقوال . صرّح جماعة بالأوّل ، بل ربما استظهر أيضاً ممّن عبّر بلفظ « تفرّقوا » ونحوه ؛ لترك الاستفصال في خبر أبي عليّ ، وقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير : « فإن وجدهم قد تفرّقوا أعاد الأذان . . . إلى آخره » ( « 1 » ) ، كقوله عليه السلام في خبره الآخر : « وإن كان تفرّق الصفّ أذّن وأقام » . إذ المراد بالصفّ المصطفّين كناية عن الجماعة ، فاعتبار تفرّقهم يقضي بالاستغراق كضمير الجمع ، بمعنى أنّه لا بدّ من افتراق كلّ واحد عن الآخر ، ومع بقاء الواحد مثلًا معقّباً لا يتحقّق ذلك . لكن فيه : أنّه خلاف المنساق عرفاً من صدق التفرّق ؛ ضرورة تحقّقه بانصراف الأكثر مثلًا ، بل بمجرّد سيلان الجماعة في الأزقّة من غير ملاحظة الأقلّ والأكثر ، كما يومئ إليه المحكيّ من كتاب زيد . وترك الاستفصال في خبر أبي عليّ لعلّه لحمل الإمام فعله على الصحّة ؛ لأنّ منعه ودفعه للمؤذّن عن الأذان يقضي بكون البعض الخارج لا يتحقّق معه صدق التفرّق . على أنّ خبر أبي عليّ ضعيف ، لا يصلح لتخصيص العمومات وتقييد المطلقات من دون جابر ، ولا شهرة محقّقة على الاكتفاء في السقوط ببقاء الواحد تجبره . مضافاً إلى ما في ذيله من النهي عن أن يبدر بهم إمام ، ممّا لا عامل به فيما أجد إلّا الصدوق والشيخ في موضع من الفقيه والمبسوط وبعض نسخ السرائر ، إن كان المراد منه الكناية عن عقد جماعة ثانية لتلك الصلاة في ذلك المسجد . وحمله على إرادة عدم ظهور إمام لهم مراعاةً لراتب المسجد أولى قطعاً ، بل ينبغي القطع بفساد الأوّل إذا كان المراد ما يشمل حال تفرّق الجماعة بحيث لم يبقَ إمامها ولا مأمومها كما يقتضيه ظاهر المحكي عنهم ، فتأمّل . وتعليق الأذان والإقامة على تفرّق الصفّ - المدّعى عدم تحقّقه مع بقاء الواحد - معارض بتعليق السقوط قبل ذلك على عدم تفرّق الصفّ الذي لا يتحقّق إلّا مع بقاء جميع المصلّين فيه كما اعترف به في المدارك ( « 2 » ) . ولعلّه - مضافاً إلى العمومات - دليل القول الثاني . لكنّه - مع ندرة القائل به صريحاً ، ومعارضة ذلك [ / التعليق ] بالتعليق الثاني في الخبر المزبور ، المعتضد بما في خبر أبي بصير الآخر ، وخبر أبي عليّ ، والمحكي عن كتاب زيد ، وما سمعته من دعوى عدم صدق التفرّق عرفاً بخروج البعض النادر بالنسبة إلى الباقي في الجماعة الكثيرة - يشارك السابق في الضعف .
وأمّا [ القول ] الثالث فكأنّ مرجعه إلى [ القول ] الرابع وإن وقع التحديد فيه بالأكثر ، إلّا أنّ نظره بحسب الظاهر إلى الصدق العرفي المختلف بكثرة الجماعة وقلّتها ونحوهما . نعم ، لا ريب في انسياق الخروج من المسجد من التفرّق في النصوص ، بل هو صريح المحكي عن كتاب زيد ، ولذا عبّر به بعضهم ( « 3 » ) . لكن لا يبعد إرادة الإعراض عن الصلاة وتعقيبها من ذلك ، وخصّ بالذكر جرياً على الغالب ، كما صرّح به الشهيد في المحكي عن النفليّة ( « 3 » ) ، وربّما كان ظاهر المحكي عن موضع من المهذّب حيث عبّر بانصرافهم عن الصلاة ( « 5 » ) ، بل لعلّه المراد من باقي العبارات وإن كان بعيداً . وقد وقع في كشف اللثام ( « 5 » ) هنا ما هو محتاج للنظر والتأمّل ، خصوصاً ما فيه من الفرق بين التعبير ب « تفرّقوا » و « تفرّق الصفّ » ، مع أنّ مرجع الثاني إلى الأوّل كما عرفت ؛ إذ المراد من الصفّ المصطفّ ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) ليس للخبر تتمّة .
( 2 ) المدارك 3 : 267 .
( 3 ) نهاية الإحكام 1 : 419 . الألفيّة والنفلية : 108 .
( 5 ) المهذّب 1 : 91 . كشف اللثام 3 : 361 .