. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
ومن الغريب بعد ذلك كلّه ميل المحدّث البحراني إلى القول المزبور [ هو اختصاص الاستحباب بالأوّلتين ] قال : لأنّ انقسام الصلاة إلى الجهريّة والإخفاتيّة إنّما هو باعتبار الأوّلتين لا الأخيرتين ؛ لتعارف التسبيح فيهما ، فما في النصوص حينئذٍ من قوله :
« صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها » إنّما هو بالنسبة إليهما ( « 1 » ) .
وفيه : أنّه - بعد تسليم ذلك له - قد عرفت ظهور نصوص المقام في أنّ الجهر بها من حيث كونها بسملة كما هو واضح ، مضافاً إلى أنّ العمدة في إخفات قراءة الأخيرتين الإجماع ، خصوصاً بعد أن نزّل النصوص على ما عرفت ، وهو هنا غير معلوم ، بل لعلّ المعلوم خلافه . ودعوى التمسّك بإطلاق معقد الإجماع يدفعها : أنّه إن أريد المنقول منه على الإخفات في المسألة السابقة فالحلّي - مع أنّه لا يقول بحجّية أخبار الآحاد فضلًا عن الإجماع المنقول - قد عرفت أنّ ناقله هناك نقل الإجماع هنا على المطلوب ، فلا أقلّ من أن يكون من قبيل المطلق والمقيّد . وإن أراد المحصّل منه ففيه : أنّ تحصيل الإجماع المصطلح على وجهٍ يتمسّك بإطلاقه حتى يأتي المقيّد ممنوع أو في غاية الصعوبة ، على أنّه قد عرفت المقيّد . واحتمال كون التعارض بالعموم من وجه مع فرض ملاحظة دليل الإخفات في قراءة الأخيرتين مستقلّاً عن دليل الإخفات في غيرهما - بعد التسليم - يدفعه : وجود المرجّح من جهات عديدة .
فظهر حينئذٍ ضعف القول المزبور ، كضعف المحكي عن ابن الجنيد من تخصيص الاستحباب ولو في الأخيرتين بالإمام دون غيره من المنفرد ( « 2 » ) ونحوه ؛ إذ جميع ما سمعت [ من الأدلّة ] حجّة عليه ، بل وغيره من ظاهر إجماع الغنية والمحكي عن السرائر ( « 3 » ) وغيرهما ، مع أنّه لا شاهد له في النصوص على كثرتها ؛ ضرورة عدم النفي عن الغير في خبر :
1 - صفوان : صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه السلام أيّاماً فكان . . . فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها [ بالقراءة ] ، جهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ، وأخفى ما سوى ذلك ( « 4 » ) . وعن الكليني زيادة : وكان يجهر بالسورتين جميعاً ( « 5 » ) .
2 - وخبر أبي حفص الصائغ المروي عن المجالس : صلّيت خلف جعفر بن محمّد عليهما السلام فجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ( « 6 » ) .
3 - وخبر أبي حمزة قال : قال لي علي بن الحسين عليهما السلام : « يا ثمالي ، إنّ الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام فيقول : هل ذكر ربّه ؟ فإن قال : نعم ، ذهب ، وإن قال : لا ، ركب على كتفيه ، وكان إمام القوم حتى ينصرفوا ، قال : فقلت : جعلت فداك أليس يقرءون القرآن ؟ قال : بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي ، إنّما هو الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم » ( « 7 » ) .
بل ربّما استدلّ بالخبرين الأوّلين على التعميم إمّا لعدم اعتبار مثل هذه المحتملات في أصل دليل التأسّي ؛ لصدق دليله عليه بدونه ، أو في خصوص التأسّي بالصلاة الحاصل من نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « صلّوا كما رأيتموني اصلّي » ( « 8 » ) ؛ ضرورة صدق الصلاة كصلاته
هامش
( 1 ) الحدائق 8 : 168 .
( 2 ) نقله في المختلف 2 : 155 .
( 3 ) الغنية : 78 . السرائر 1 : 218 .
( 4 ) الوسائل 6 : 57 ، ب 11 من القراءة في الصلاة ، ح 1 .
( 5 ) الكافي 6 : 315 ، ح 20 .
( 6 ) أمالي الطوسي : 273 ، ح 513 . الوسائل 6 : 76 ، ب 21 من القراءة في الصلاة ، ح 8 .
( 7 ) الوسائل 6 : 75 ، ب 21 من القراءة في الصلاة ، ح 4 .
( 8 ) عوالي اللآلي 1 : 198 ، ح 8 .